في عام 2009، خصصت القمة السنوية للاتحاد الأفريقي، جلسة خاصة لتكريم رجل استثنائي، والاحتفاء بأياديه البيضاء.

حضر الجلسة ما يقارب خمسين رئيس دولة توافدوا ليذكروا للرجل السيل الفياض من مكارمه في بلادهم، التي يسرت بفضل الله سبل الصحة والتعليم أمام عشرات الآلاف من الفقراء، وأتاحت تغييرات تاريخية على المستوى الاجتماعي والتعليمي والاقتصادي في مناطق لم يكن المسلمون فيها يجدون أكثر من المدرسة الابتدائية لتعليم أبنائهم، فإذا بهم بفضل الله، ثم بفضل هذا الرجل، يشقون طريقهم حتى الجامعات وكليات الطب والهندسة وغيرها، ومنهم من أصبح وزيراً في بلده، فلما جاء للإمارات في زيارة رسمية، كان أول ما فعله، الاستفسار عن هذا الرجل الاستثنائي للسلام عليه وتقديم الشكر له.

لم يكن هذا الرجل الذي اجتمع خمسون رئيس دولة في جلسة خاصة لتكريمه، سوى سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم نائب حاكم دبي ووزير المالية وراعي هيئة آل مكتوم الخيرية، والذي أنعم الله تعالى عليه بنعمة واسعة، لا تدانيها كل ثروات الدنيا، ألا وهي نعمة العطاء ورعاية الإنسان حيث كان.

وحين أقول هذه الكلمات، فإن أول ما يخطر ببالي، هو حجم وتنوع الإنجازات الإنسانية الضخمة التي حققها سموه، إلى حد أن تجتمع قارة كاملة لتكريمه، هذا مع العلم أن أياديه البيضاء لم تقف عند حدود تلك القارة، بل تعداها إلى كافة أصقاع الأرض، من كندا غرباً إلى نيوزيلندا شرقاً، ومن روسيا شمالاً إلى أستراليا جنوباً.

في الكتيب التوثيقي الذي أصدرته «هيئة آل مكتوم الخيرية»، عن أيادي سمو الشيخ حمدان البيضاء، لمناسبة تكريمه من قبل اليونسكو عام 2012، ومرور 15 عاماً على تأسيس الهيئة، يفاجئك التنوع الأفقي والعمودي لأيادي سموه البيضاء، فإذا كنت تظن أن هنالك نشاطاً خيرياً وإنسانياً لم يتفضل سموه بالعطاء فيه، فأنت بلا شك مخطئ.

فعلى الصعيد المحلي، تقدم الهيئة دعماً واسعاً، عبر عدة برامج، أبرزها مركز الشيخة ميثاء لذوي الاحتياجات الخاصة، الذي يهدف إلى تقديم الرعاية الصحية والنفسية والتربوية، والبرامج التعليمية والدينية والثقافية، وتنمية المهارات الفنية لدى الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، ودمجهم في المجتمع.

وإضافة لذلك، يرعى سموه، حفظه الله، شبكة للأمان الاجتماعي للأسر المحتاجة والأرامل والأيتام، من خلال مجموعة من المراكز التي أسستها الهيئة، وعهدت بإدارتها لجمعية بيت الخير، وأبرز هذه المراكز، مركز الليسيلي، الذي يدعم 11,651 حالة من الأسر والأيتام وذوي الاحتياجات الخاصة، ومركز العوير، الذي يدعم 44,336 حالة، ومركز حتا الذي استفاد من خدماته 33,195 حالة، ومركز البرشاء الذي دعم 65330 حالة.

هذا بالإضافة إلى تقديم الهيئة مساعدات مالية للجمعيات الخيرية داخل الدولة، ودعمها للبرامج التعليمية لعدد كبير من المدارس بأجهزة الكمبيوتر والبرامج التعليمية، كما تدعم البرامج العلمية في عدد من الجامعات.

أما عربياً وإسلامياً وعالمياً، فإن أول ما يلفت انتباهك، عمق وشمولية الدعم الإنساني، وشبكات الأمان الاجتماعي التي أنشأها سموه، بحيث يطبق المثل الشهير عن تعليم الفقير صيد السمك بدلاً من التصدق عليه بسمكة. ففي أفريقيا مثلاً، هنالك أكثر من أربعين من مجمعات مدارس الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم في 42 دولة، حيث يضم كل مجمع مدرسة أساسية في الحد الأدنى (تصل للثانوية في معظمها)، إضافة للاحتياجات الأساسية حسب المنطقة والبلد، ففي دارفور بالسودان مثلاً، هناك ثلاثة مجمعات، يضم كل منها مدرسة أساسية، وسكناً للمعلمين ومحطة مياه كاملة التجهيز، ومسجداً، ومركزاً صحياً ومحطة كهرباء صغيرة. ويتم تدعيم هذه المدارس في بعض الدول بكليات تقنية متخصصة، أو بمنح للدراسات الجامعية.

أما أوروبا وأميركا وأستراليا، فقد وصلتها أيادي سموه الكريمة على شكل دعم متواصل للمسلمين الجدد والجاليات المسلمة، سواء بإعمار بيوت الله، وتوفير المصاحف والكتب والدورات التثقيفية والأئمة والخطباء، وتأسيس مدارس خاصة للجاليات، لتعليم أبنائها تعاليم الشريعة السمحة. وفي آسيا، تتنوع عطاياه، حفظه الله، لتشمل إقامة القرى الخاصة بالأقليات المسلمة، وتوفير التدفئة ومحطات الطاقة ورعاية ضحايا الكوارث الطبيعية والمهجرين، ودعم مدارسهم ومساجدهم، وتوفير منح دراسية عليا للمتفوقين منهم، بالإضافة لبرامج الإغاثة ودعم الصائمين في رمضان وتفويج الحجاج.

أما في العالم العربي، فقد أمر سموه بإقامة العديد من المشروعات في عدة دول عربية، تشمل الخدمات الطبية والصحية والتعليمية، وبناء المساجد والمدارس والمستشفيات والمراكز الحرفية والمهنية ومراكز تحفيظ القرآن الكريم، وحملات الإغاثة والمساعدات الإنسانية للأسر والعائلات المحتاجة، وكفالة الأيتام ومشاريع إفطار الصائم، وأضاحي العيد والحقيبة المدرسية وغيرها.

وسموه، على سبيل المثال، الداعم الرئيس لصندوق رعاية الطفولة الفلسطينية، الذي يتولى تقديم الخدمات الطبية والإنسانية لأطفال فلسطين داخل فلسطين وخارجها.

كما يقدم سموه دعماً سنوياً ثابتاً لجامعة أفريقيا العالمية، تقديراً للدور الذي تقوم به في مجال التعليم العالي في أفريقيا، واستقطاب الطلاب من خريجي مدارس سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم في أفريقيا، ومنها السودان. وأسس سموه في تنزانيا في عام 2010، كلية آل مكتوم للهندسة والتكنولوجيا، حيث تضم الكلية تخصصات الهندسة الكهربائية والتكنولوجيا وتقنية المعلومات.

وتستوقفني هنا تجربة مهمة، بادر إليها سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم، حفظه الله، ألا وهي تأسيس كلية آل مكتوم للدراسات الإسلامية والعربية بإسكتلندا، التي تخرج الطلاب من دول عديدة في كثير من التخصصات. وهي إحدى المشاريع العلمية التي نفذتها هيئة آل مكتوم الخيرية خلال السنوات الأخيرة، ودرس فيها منذ تأسيسها ما يزيد على 15 ألف طالب وطالبة.

وقد تم مؤخراً تخريج دفعة جديدة من برنامج التعددية الثقافية ومهارات القيادة بالكلية، الخاص بطلبة الدولة، وذلك بمشاركة 56 طالبة مبتعثة من تسع جامعات وكليات إماراتية.

لكن جهود سموه الإنسانية لا تقف عند هذا الحد، فتجربة جوائز سمو الشيخ حمدان بن راشد في المجالين التعليمي والطبي، تجربة تستحق التوقف عندها بكثير من التمعن، نظراً لما تؤديه من دور إيجابي ومعنوي رفيع.

فمنذ أن أطلقت جائزة حمدان بن راشد آل مكتوم للأداء التعليمي المتميز عام 1998، وحتى اليوم، تحولت الجائزة بفضل دعم راعيها إلى أكثر جائزة تكافئ الإبداع التعليمي على مستوى العالم العربي، وأصبحت فئاتها العديدة تتخطى حدود الدولة، وصولاً إلى الفئات الخاصة بدول مجلس التعاون، والفئات الخاصة بالعالم العربي. وبهدف خدمة المعلم حيث كان، وتوسيع آفاق الجائزة على المستوى العالمي، أطلق سموه في وقت سابق جائزة حمدان-اليونسكو العالمية، كمبادرة مشتركة بين جائزة حمدان بن راشد التعليمية ومنظمة اليونسكو العالمية، لمكافأة الممارسات والجهود المتميزة لتحسين أداء المعلمين.

وكان سمو راعي الجائزة، أصدر في مارس من عام 2001، توجيهاته بإنشاء مركز لرعاية الموهوبين والمتميزين، يتبع الجائزة، ويكون نواة لاحتضان الموهوبين وتخريج النخب العلمية والفكرية المبدعة. وانعكس هذا الدور على الأداء الوظيفي للجائزة، ومبادراتها المختلفة التي انتقلت إلى مستويات تطبيقية أعمق، حيث أطلقت مؤخراً مشروع إعداد حقيبة اكتشاف الطلبة الموهوبين، بالتعاون مع خبراء ألمان في الموهبة، كما بادرت لإطلاق مشروع (فاب لاب الإمارات) في مدارس الدولة، وهو أول مختبر إماراتي للابتكار الطلابي، يفتتح في شهر سبتمبر المقبل.

أما جائزة حمدان الطبية، فتعد اليوم أوسع جائزة على مستوى العالم تكريماً للقطاعات والاختصاصات الطبية المختلفة، مع التركيز على الرعاية الصحية الميدانية، والإنجاز الطبي، وليس البحوث الأكاديمية فحسب. حيث يشمل التكريم، الإنجازات العلمية في الاكتشافات الدوائية، والبحوث الطبية المتميزة، والتي كانت هذا العام في موضوع اللقاحات. بالإضافة لتطبيقات طبية مستجدة، مثل العلاج بالخلية والعلاج الموجّه، كما يقوم سموه بتكريم مؤسسات وأفراد في فئة المتطوعين في الخدمات الطبية والإنسانية.

ودعماً من سموه للطب في العالم العربي، خصصت جوائز خاصة لأفضل كلية أو معهد أو مركز طبي في العالم العربي، وأحد الشخصيات الطبية المتميزة في العالم العربي. وبالطبع، لم تغب عن سموه رعاية القطاع الطبي في الدولة، تمنح جائزة حمدان لأفضل قسم طبي في القطاع الحكومي بدولة الإمارات، وجائزة حمدان للشخصيات الطبية المتميزة في المجال الطبي بدولة الإمارات، بالإضافة إلى جائزة لأفضل بحث تم نشره في مجلة حمدان الطبية من داخل دولة الإمارات وخارجها. ولدعم البحث العلمي والتبادل المعرفي، يرعى سموه سنوياً، وبالتزامن مع توزيع الجوائز، مؤتمر دبي العالمي للعلوم الطبية.

وأتوقف كإماراتي وكعربي بكثير من الفخر عند إحدى المؤسسات المهمة التابعة لجوائز سموه، وهو المركز العربي للدراسات الجينية، والذي يعتبر أول مركز علمي من نوعه في العالم العربي، يهتم بالدراسات الجينية للإنسان العربي، ومن أهم إنجازاته، بناء قاعدة البيانات الوحيدة حتى الآن للأمراض الجينية والمنقولة وراثياً والنادرة في العالم العربي، دولة بدولة، وهذا إنجاز ضخم ومهم لمستقبل البحوث العلمية والطبية في منطقتنا، ويسعى المركز أن يتم توسيع قاعدة البيانات، لتصبح خلال عشر سنوات من الآن، أكبر قاعدة بيانات جينية للشعوب العربية على مستوى العالم.

ولعل هذا المركز وحده يكشف لنا عمق فكر سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم، ونظرته الاستشرافية لمستقبلنا المشترك، إذ لم يكتف سموه بالجائزة الطبية، بل أضاف إليها مركزاً بحثياً متفرداً يدرس هذا الموضوع الهام، خاصة أن موضوع الأمراض الجينية والمنقولة وراثياً، موضوع حساس اجتماعياً وعلمياً وطبياً، والجهود المبذولة في هذا الإطار كلها محلية، تختص بكل بلد على حدة، لكن الرائد، من مثل سمو الشيخ حمدان، لا يكذب أهله، لذلك فكر في مصلحة الجميع، فأنشأ المركز العربي للدراسات الجينية.

وهي مناسبة لكي نعبر عن أسمى آيات الامتنان لما يبذله سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم من جهود خيرة وإنسانية مباركة داخل الدولة وخارجها، وذلك ليس غريباً على من تجري في عروقه دماء تنبض بالخير وإرادة للعطاء، لا تقف أمامها حواجز.

جزاك الله كل الخير يا سمو الشيخ.