يستدعي مفهوم المنح إلى الذهن صفات المروءة والبذل ونجدة الملهوف وإغاثة المحتاجين.. إنه يرتبط عموماً بمعظم معاني التعاطف الإنساني من جانب الأغنياء أو الأقوياء أو القادرين، لصالح الفقراء والضعفاء والمعوزين المتعسرين والمبتلين بالكوارث. ولا يقتصر الارتباط هنا على الأطر الجغرافية للدول، بل يتخطاها إلى السياقات الإقليمية والفضاءات الدولية الأوسع.

سيقول البعض إن المنح قد لا يكون في كل الأحوال بريئاً أو منزهاً عن استبطان أهواء ومصالح مادية أو معنوية للمانحين. هذا أمر جائز إلى حد بعيد، ولكننا هنا لسنا بصدد محاولة لشق قلوب المانحين والتفتيش في نياتهم وما يضمرونه من أهداف. ما يستغرق اهتمامنا في هذا المقام، يتصل أساساً بأخبار المانحين وأسلوب معالجتهم للقضية وما يشوبه من نقائص ومخاتلات.

فالملاحظ أن منتديات المانحين ومؤتمراتهم، عادة ما تحظى بالتغطية الإعلامية واسعة النطاق. وفي هذا السياق تركز «الميديا» بشكل فائض على التعهدات التي يقال إنه تم رصدها من جانب المجتمعين، وكيف يتبارى كل طرف مشارك في التعريف بنصيبه من الهبات. ولا يصعب هنا تعليل سهولة وقوع «الفرقعة» الإعلامية.

فبالنظر إلى أعداد المانحين الكبيرة عادة، يكفي أن تتكفل وسائل الإعلام التابعة لكل طرف منهم بتطيير خبر أو أكثر عن القضية، حتى تحدث هذه الفرقعة في كل الاتجاهات والآفاق.

لكن الملاحظ أيضاً، وهذا هو بيت القصيد، أن أحداً لا يعتني لاحقاً بالتدقيق في مدى التزام السادة المانحين بالوفاء بتعهداتهم. وتقديرنا أن متابعة كهذه ربما كشفت الفارق الشاسع بين الأقوال والأفعال؛ بين الخطابات الدافئة داخل المؤتمرات وبين صقيع المشاعر وخفوت الحماس بعد انفضاض السامر وانطفاء الكاميرات.

في أبريل 2012 أعلنت 63 دولة ومؤسسة دولية، في مؤتمر حمل عنوان «المجموعة الاستشارية للدعم»، عن تقديم أكثر من 6 مليارات دولار للمساعدة في إعمار اليمن.

وفى يوليو 2012 تعهد 80 مشاركاً، اجتمعوا في طوكيو، بأنه بحلول منتصف 2015 سيكون هؤلاء قد زودوا أفغانستان بمبلغ 16 مليار دولار، لإحداث نقلة نوعية كبرى فيها على جميع المستويات.

وفى يناير 2013، شهدت أديس أبابا مؤتمراً للمانحين، تم فيه التعهد بتقديم 450 مليون دولار، كمساعدة لحكومة مالي فى تصديها للمتمردين. وفى أكتوبر 2014 ، تعهدت الأمم المتحدة والبنك الدولي وجهات مانحة أخرى، بتقديم مبلغ 8 مليارات دولار لدول القرن الأفريقي.. وفي توقيت مقارب أعلن مؤتمر للمانحين في القاهرة عن تمويل إعادة إعمار غزة بمبلغ 2.7 مليار دولار.

في كل هذه النماذج، كان المشهد الإعلامي الدعائي صارخاً وحاضراً بقوة.. لكننا لا نعلم اليوم إلا النزر اليسير جداً عن مصائر هذه التعهدات. والأهم أن ما رشح بهذا الصدد، عن طريق الصدفة البحتة أو تحت الإلحاح، يؤكد أن شيئاً من هذه الالتزامات لم يتحقق عملياً.

وفي كل هذه النماذج ونحوها، يجري إسداء وعود الدعم والمؤازرة تحت أهداف شبه مكررة: تعزيز الاستقرار؛ دفع جهود التنمية المستدامة؛ محاربة الفقر والبطالة وتوسيع فرص العمل والتشغيل؛ تنشيط الموارد المحلية وحسن استغلالها؛ الارتقاء بمستويات الرعاية الصحية والتعليم؛ تقوية البنى التحتية؛ إعادة بناء ما دمرته الاعتداءات الآثمة من البشر أو إصلاح ما تسببت فيه كوارث الطبيعة.

في كل هذه النماذج ونحوها، تم ابتلاع الوعود أو تركها فريسة التقادم والهجران تحت مزاعم شبه موحدة: عدم استقرار البيئة الداخلية والخلافات الأهلية السياسية متعددة المصادر؛ صعوبة وصول الدعم إلى مستحقيه؛ تأخر دراسات الجدوى وتحديد الأولويات. يخطئ الإعلام حين يبالغ في إحاطة مؤتمرات المانحين بكثير من الصخب والطنطنة، ويخطئ معظم المانحين حين يراهنون على ضعف ذاكرات الناس، ويستعيضون عن الدعم الحقيقي بمجرد تصدير كلام دعائي كبير.