امتد بي الطريق قبل أيامٍ قلائل وأنا أحاول الوصول لجنوبي مدينة لوس أنغيليس، لفت نظري العدد المهول من معارض السيارات والمجمعات التجارية وما تحويه من كميات هائلة من البضائع، تساءلت عن المكان الذي ستُرمى فيه لاحقاً وأين سيرمى الموجود حالياً وكم نسبة ما يمكن إعادة تدويره، وهل من المعقول أن تصبح الأرض قريباً مكب نفاية هائلاً بسبب هوس العالم المتحضّر ومن يقلده من شعوب العوالم اللاهثة وراءه بالشراء والاستهلاك؟

المنطق يفترض أن زيادة الاستهلاك تتفق ونسبة زيادة البشر، لكن الإحصائيات تُشير إلى أن سُكّان العالم المتحضّر يستهلكون موارد طبيعية بنسبة تساوي 32 ضعف ما يستهلكه بقية البشر وهم الأغلبية والمقدّر عددهم بـ 5.5 مليارات إنسان، وخلال الثلاثين سنة الماضية زاد استهلاك موارد الكوكب بنسبة 50% أي ما يقارب 60 مليار طن من المواد الخام سنوياً حتى يشتري المكتفي أصلاً مالا يحتاجه، وحتى يتكسّب التاجر الجشع بإهدار موارد الأجيال القادمة من أجل زيادة أرصدته التي لا تعرف إعانة محتاج أو سد عَوَز فقير!

إن الرأسمالية الجشعة، والتي رمت عن كاهلها كل القيم الإنسانية النبيلة، تعرف تماماً ماذا تريد وكيف تغيّر العادات البشرية بما يتلاءم وخططها لمزيد من الثراء على حساب الأغلبية المغفلة، فهي من أوجدت ورَعَت وأنضجت ما يُعرف بنظرية الزوال المخطّط Planned Obsolescence والتي تعني توجيه عقلية المستهلكين وإقناعهم بفقدان المنتَج لقيمته بعد فترة محددة من الزمن أو الاستعمال حتى لو كان صالحاً لذلك، لذلك يُسارع "مخاوي شمّا" لحجز رنج روفر قبل الناس بنصف مليون أو أكثر كل سنة.

بينما "ست الحسن و الدلال" لا تحمل شنطة هيرميس البالغ سعرها أربعين ألف درهم إلا مرة واحدة وكذلك الحال بالفستان باهظ الثمن واللذان يفقدان قيمتهما بمجرد أن لبستهما في حفلة يتيمة "مستحيل ألبسه مرة ثانية والبنات شافوه عليّ"، وفي الحقيقة، وبعيداً عن هذه المآسي من ذوي العقول الضحلة، فإنّه بإمكان المنتجين صناعة مُنتَج يستمر طيلة العمر أو سنين طويلة على الأقل لكن ذلك سيكون على حساب أرباحهم وثرائهم على أكتاف المهووسين بالشراء والمستعدين للاستغفال عن طيب خاطر، وكما يقول المثل المحلي لدينا: "اللي يخلي نفسه سبوس تلعب به الدياي"، فلماذا يفعلون ذلك إذن؟ دعهم يدفعون!

إن ما يتم حالياً من استنزاف غير مبرر للموارد الطبيعية، ليس سوى إشباع جشع ضباع النُخَب الرأسمالية المسعورة والتي لا تكتفي إطلاقاً من الأموال، هو كارثة يتغافل عنها العالم بما فيها حكومات الدول الكبرى والتي ما وصلت لكراسيها عبر ديمقراطياتها المذبذبة إلا بأموال تلك النُخَب، فها هو ليستر براون من معهد سياسة الأرض يقول إننا نحتاج إلى كرة أرضية ونصف لتلبية مستوياتنا الحالية من الاستهلاك.

بينما تتوقع دراسات أخرى أننا نحتاج بحلول عام 2030 إلى موارد ثلاث كرات أرضية، فأي جنون أصاب البشر ليتسابقوا عمداً إلى هاوية مميتة من أجل مكاسب آنيّة لفئة محدودة، وماذا سيكون لاحقاً ونحن نرى حالياً معضلات تلوث الهواء وارتفاع حرارة الكوكب وتقلص الثروة السمكية وتآكل مساحة الغابات وتناقص كميات المياه الصالحة للشرب وانقراض العديد من الكائنات الحية هي بعض ما نتج عن هوس الاستهلاك والجري المسعور خلف نهب جيوب البشر، وصدق المولى سبحانه عندما قال: "ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس".

إن الكوكب بإمكانه، كما خلقه المولى تعالى بحكمته، أن يستوعب حاجات البشر رغم ازدياد أعدادهم شريطة أن يتم توزيع الموارد بعدالة، وهو الأمر الذي لا يوجد حالياً ولا يُراد أن يوجد حتى لا تذهب خطط التوسع في الأسواق وأرقام المبيعات المستهدفة هدراً، لذا فإن العالم مقبل على عصور عصيبة من الجوع والفقر والأمراض وربما ثورات الجياع، فمن يفقد الأمل في المستقبل لن يجد أمامه إلا طريق العنف لأخذ ما يراه حقاً له أو إذاقة الآخرين مرارة ما يشعر به وسَلب ما ينعمون فيه، ومن يدري فربما كالعادة تتبرع شركات الأدوية الغربية بنشر الأوبئة في البلدان الفقيرة خاصة إفريقيا وأميركا اللاتينية أو تسليح الجماعات الراديكالية وكارتلات المخدرات لإبادة أكبر قدرٍ ممكن من البشر الذين لا يعتبرون وفق معايير الرأسمالية الغربية المتوحشة "زبائن محتملين"!

يعلم الكثيرون أن سكان الأرض قد تجاوزوا المليارات السبعة، وبأنه يعيش على الأرض حالياً 14% من عدد كل الجنس البشري منذ بدء الخليقة كما يؤكد ذلك البروفيسور كوري برادشو من جامعة أديلايد الأسترالية، ويزداد عدد سكانها كل 12 سنة قرابة المليار إنسان أي بمعدل 220.000 مولود يومياً، بينما يموت من الجوع 25.000 شخص كل يوم، منهم 18.000 طفل دون الخمس سنوات، ولا يجد مليار شخص كمية كافية من المياه الصالحة للشرب، وبما أنه من المحال أن نحل فرادى مشكلات الكون ولا يبدو بمقدورنا وقف نَهَم العابثين بموارد الأرض لمصالحهم إلا أنّ مالا يُدرَك جُلّه لا يُترَك كُلّه، فبالإمكان أن يخلق كل واحدٍ منّا فارقاً لإنسانٍ محتاجٍ، فبداية السيل قطرة وصنائع الخير تعود على الإنسان بالخير، فبثمن شنطة "ست الحسن والدلال" تستطيع إنقاذ قريةٍ كاملة لا تجد ما تقتات به إلا الأحلام التائهة والغد البائس والموت المتربص بهم، فهل نحن لها؟