ليست هناك مخاطر كبيرة عندما لا يتجاوز الاصطفاف الطائفي أطر المواقف السياسية في جو سلمي خبرناه في العراق أحيانا خلال السنوات المنصرمة، على الرغم من أنه ظاهرة غير ديمقراطية وغير صحية تكمن في ثناياها مخاطر قد تهدد أمن البلد والسلم المجتمعي في وقت لاحق.

إلا أنه حين يتحول إلى صراع دموي يخرج عن هذه القاعدة ويتخطى الحدود الجغرافية للبلد ويطيح بتوازناته السكانية ليصبح إقليمياً وربما عالمياً بشكل ما، ولدينا ما يكفي من الأدلة على صحة ذلك حين نستعرض الهويات التي ينتمي إليها مقاتلو تنظيم داعش في العراق وسوريا الذين قدموا من كل أصقاع الشرق والغرب.

الظاهرة الطائفية في العراق التي أصبحت علامة فارقة في الحياة السياسية والممارسات اليومية حين تصنع القرارات وتتخذ المواقف لدى النخب السياسية قد انتقلت إلى طور جديد مع بدء عمليات تحرير محافظة صلاح الدين يتجاوز معاناة الحاضر إلى قلق كبير على ما سيأتي به المستقبل.

فالعمليات العسكرية التي جرت في بعض المحافظات وآخرها محافظة صلاح الدين شابتها الكثير من المآخذ تتعلق بتجاوزات خارج أطر ما تتطلبه العمليات العسكرية لتحرير المناطق من سيطرة داعش عزيت لممارسات بعض المليشيات ضمن الحشد الشعبي المشارك في المعارك.

وإذ كشفت تلك التجاوزات المؤسفة عن مدى الكراهية والرغبة في الانتقام المتأصلة في نفوس البعض كشفت كذلك عن البعد السياسي لها حين اتخذت شكلا من أشكال التغيير الديموغرافي في الخارطة السكانية في بعض المناطق وكشفت من جانب ثالث عن عدم قدرة الجهات الرسمية على لجم سلوكيات هذه المليشيات ولا نريد القول عدم جديتها في التصدي لذلك.

والحقيقة أن ما طفا على السطح خلال عمليات تحرير محافظة صلاح الدين أصبح مصدر قلق لدى المسؤولين العراقيين والأميركيين على حد سواء، فقد أوقفت الولايات المتحدة دعمها الجوي في عملية تحرير صلاح الدين متحفظة بذلك على الدور الذي تقوم به بعض المليشيات ومن يقف وراءها في المعركة.

فهي رغم زعامتها للتحالف الدولي ضد داعش تجد بعض الإشكالات في معالجة قضايا تتعلق بكيفية إدارة السلطات العراقية للمعركة.

وهي لم تعود مؤخرا إلى المشاركة جويا مع شركائها في التحالف لقيادة المعركة إلا حين عمدت القيادة العراقية إلى سحب سبعة فصائل مليشياوية وكذلك المستشارون من مدينة تكريت لأن وجود هؤلاء في ساحة المعركة يثير حساسيات من نوع خاص لأن هذه المدينة ترتبط بمجمل تأريخ النظام السابق ورئيسه الذي خاض حربا ضروسا على مدى ثماني سنوات مع إيران.

لا نرغب بالقفز على الحقائق والادعاء بأن المشاعر والممارسات الطائفية بعد دحر داعش سوف تتبخر بين عشية وضحاها بعد أن تجذرت بعمق في عقول المجاميع المليشياوية وأصبحت البضاعة الوحيدة التي تسمح لبعض الطارئين على الساحة السياسية في العراق بالبقاء في موضع صناعة القرار فذلك مجافٍ للموضوعية.

ولا نعتقد كذلك أن قيادات هذه المليشيات سوف يرعوون عن غيهم ويلزمون أتباعهم بالكف عن التجاوزات على ممتلكات وحياة الآخرين، ولا نُسطح عقولنا ونقول بأن الدول التي تقف وراء ذلك منذ سنوات سوف تتوقف عن سياساتها في تأجيج الطائفية ولكن ما نريد الذهاب إليه هو أن بمقدرة حكومة الدكتور العبادي تقطيع كل خيوط هذه اللعبة.

المستقبل الذي يقلقنا لم يعد بعيداً عنا وفي انتظار مقدمه ولكي لا يكون مصدرا للقلق كما هو الآن يتحتم على الحكومة العراقية أن تسجل لنفسها وللعراق مأثرة كبيرة تحسب لها وهي أن تعمد إلى إجراءات تنفيذية صارمة وسريعة تجعل المواجهات الطائفية في حال حدوثها أقل دموية وذلك عن طريق حل المليشيات ونزع أسلحتها والتصدي بحزم لكل من يعرقل ذلك وإلزام الجميع بالتخلي عن السلاح والعودة إلى الدستور والاحتكام إليه فهو ينص صراحة على أن الدولة وحدها من يحق لها امتلاك السلاح.

في هذا السياق يبرز دور النخب السياسية التي تتسيد الموقف لكي تبرهن على جدارتها بالثقة التي منحت لها من قبل الناخب العراقي ولتبرهن حرصها على وحدة العراق التي تتعرض لأخطار تفوق ما تعرضت له حتى الآن.

وتتخذ مواقف تبعدها عن التبعية لمن يقف خلف الحدود الجغرافية للعراق وتبدأ بوضع أسس سياسية لمشروع نهضوي تنويري للأخذ بشبابنا إلى المستقبل وليس إلى دهاليز الماضي ودُمله وقروحه، وخلافا لذلك ليس هناك من مستقبل ينتظر العراق غير التقسيم وحروب دموية يدفع الجميع بلا استثناء أثمانها.

فإذا كانت المواقف التي اتخذتها هذه النخب والتي أدخلت العراق في دهليز مظلم يقع في خانة الأخطاء وليس في خانة النوايا المبيتة، فقد آن الأوان لإعادة النظر بهذه المواقف لغرض تقويمها فقد تحمل الشعب العراقي الكثير بسبب سوء قيادتهم وانبطاحهم أمام إرادات الدول المجاورة.

ولا يسعنا في ختام هذه المقالة سوى الإشارة إلى أن توظيف الموارد في الجانب العسكري لمحاربة داعش لم يوازيه توظيف مماثل في الجانب السياسي وهو الأكثر أهمية على الرغم من أن تشكيل حكومة العبادي قد تم وفق صفقة تتطلب اتخاذ إجراءات تنفيذية نحو الإصلاح السياسي، فغياب الأفق السياسي للحرب على تنظيم داعش يجعل من الانتصار عليه إحدى عمليات الكر والفر في سلسلة حروب قد لا تنتهي.