جاء مؤتمر مستقبل مصر الاقتصادي في مدينة شرم الشيخ ليضيف بعدا جديدا إلى أسباب رفض المصالحة مع «الإخوان» والجماعات المرتبطة بهم.

ولعل التظاهرة التي عاشتها مصر بدعم قوي وربما غير مسبوق من أشقائها العرب وأطراف دولية من مختلف بقاع الأرض جعلت المؤتمر يتجاوز أهدافه الاقتصادية إلى أخرى سياسية أبرزها وأهمها تكريس مكانة مصر الإقليمية والعالمية وحصول مشروع الثلاثين من يونيو على أكبر اعتراف دولي صريح وعملي يفتح كل الأبواب مشرعة أمام مصر للانطلاق نحو آفاق أرحب من التنمية والتقدم.

ليس كرها في أحد ولكن حبا في مصر الشقيقة على حد تأكيد صاحب السموالشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في كلمته المؤثرة أمام الجلسة الافتتاحية للمؤتمر.

وقد لا يبدو واضحا للوهلة الأولى تلك العلاقة العضوية بين نجاح المؤتمر الاقتصادي ورفض المصالحة مع الإخوان، ولكنها موجودة وقائمة ويمكن إدراكها بسهولة بشيء من التأمل.

فالمؤتمر بث رسائل عديدة لمختلف الأطراف تؤكد أن الدولة المصرية تسير على الطريق الصحيح وأنها استردت هويتها وشخصيتها المعهودة أو أنها على أقل تقدير في طريقها لتحقيق ذلك.

فمصر المدنية المنضبطة المؤسسية المنفتحة على العالم كانت حاضرة وبقوة بشكل أذهل ليس العالم فحسب، ولكن أصحاب المناسبة الكبرى أنفسهم. وحتى ندرك الفارق الكبير تستعيد الذاكرة تلك المشاهد المؤلمة للمؤتمرات التي عقدت في ظل الرئيس السابق محمد مرسي، والتي عكست حالة من التخلف والتردي والتفسخ في إدارة شؤون الدولة.

وتكفي الإشارة إلى مؤتمرات ثلاثة عقدها مرسي ورجاله في يونيو2013، وكانت مأساة حقيقية بكل ما في الكلمة من معنى وهي: مؤتمر الرئاسة حول أزمة سد النهضة مع أثيوبيا ومؤتمر«لبيك يا سوريا» في صالة ستاد القاهرة، وأخيرا مؤتمر الصدام مع الإعلاميين في مركز المؤتمرات، وخلالها كان واضحا أن الدولة المصرية في حالة ضياع وأنها تعمل بلا ضوابط ولا شكل مؤسسي.

أما الرسالة الأخرى من مؤتمر شرم الشيخ – بعد استرداد الهوية وعودة الانضباط المؤسسي – فترد معالمها في هذا الالتفاف العربي الرائع حول الدولة المصرية بشكل يصعب معه إنكار أهمية وحيوية هذا الدور في تهيئة كل فرص النجاح للمؤتمر، بل ووضع مصر على طريق النمو الصحيح.

والواقع أن الدولة المصرية لم تفوت مناسبة قبيل وأثناء وبعد المؤتمر إلا وتحدثت عن أهمية الدور الخليجي السعودي – الإماراتي منه على وجه الخصوص في نجاح المؤتمر، ومن قبل الوقوف إلى جانب مصر ومساعدتها على النهوض.

ويعكس ذلك الموقف القدرة العربية على العمل العربي المشترك في أدق الظروف وتجاه أخطر القضايا. ولا مبالغة إذا تحدثنا في هذا المقام عن روح شرم الشيخ التي تجلت في المؤتمر الاقتصادي والتي نظن أنه من الحكمة أن تسود تلك الروح العمل العربي المشترك بكل أشكاله.

وأول مناسبة لذلك هي القمة العربية التي ستعقد أيضا في مدينة شرم الشيخ في غضون أيام قليلة. فكثيرا ما أكلت قلوبنا الغيرة ونحن نشاهد الاتحاد الأوروبي يتبنى برامج إنقاذ اقتصادية ودعم مالي بمئات المليارات لمساعدة أعضاء في الاتحاد مثل اليونان وإسبانيا وايرلندا رغم أن ما يجمع بينها من روابط وقواسم مشتركة أقل بكثير جدا مما يجمع أمتنا العربية.

لا مبالغة إذن في التأكيد على أن مؤتمر شرم الشيخ ساعد مصر كثيرا على الخروج من عنق الزجاجة ووضعها على الطريق الصحيح، ولكنها على أي حال مجرد خطوة على طريق الألف ميل أو لنقل إنها ضربة البداية التي قد تصبح بلا قيمة أوعديمة الجدوى ما لم تتبعها خطوات أخرى لا تقل جدية.

فليس خافيا أن مصر تنوء بمشاكلها الثقيلة اقتصاديا وماليا واجتماعيا وخدميا وتعليميا وصحيا وإداريا. وللتغلب عليها فهي بحاجة إلى برامج طويلة المدى لا تحتمل التأخير أوالتقاعس أوالوقوف في منتصف الطريق.

إن ما تحتاجه مصر اليوم هو عكس ما كان موجودا في السابق من سياسات وتشريعات وقوانين وممارسات وسلوكيات على المستويين الرسمي والشعبي. وأغلب الظن أن مصر الجديدة التي ولدت في مؤتمر شرم الشيخ تدرك هذه الحقائق جيدا وترى الصورة واضحة أمامها، وكل ما تبقى فقط هو تحويل ما تم الاتفاق عليه على الورق إلى واقع ملموس يمشي على قدمين.