من بين كل ردود الأفعال والأصداء، التي أحدثتها انتخابات الكنيست الأخيرة لدى المعنيين في كافة الجهات، ينبغي أن يحوز موقف زهافا غالؤون زعيمة حزب ميرتس الإسرائيلي، على الإعجاب بشكل استثنائي.. فهي آثرت الاستقالة والترجل العاجل، حتى من قبل إعلان النتائج النهائية للتصويت.
لقد فهمت رسالة الناخبين، وقرأت البيئة الأيديولوجية والسياسية، التي أدت إلى إنقاص عدد ممثلي حزبها من ستة إلى أربعة لا غير.. وأدركت أنه لم يعد لها ولبرامجها «اليسارية والسلامية المعتدلة»، مكان لائق في مجتمع يفاجئ العالم بأسره فمنح أصوات أكثر، لمن يعدونه بمزيد سياسات التطرف والنوازع العدوانية.
المدهش أنه في الوقت الذي أخذت فيه هذه السيدة الصهيونية «اليسارية»، بموقفها الحدي الصارم في موضوعيته وواقعيته، راح بعض العرب يشيحون بوجوههم وعقولهم عن حقيقة ما يعتمل في المرجل الإسرائيلي.
ومن ذلك أن مسؤولاً رفيعاً في المؤسسة القومية العربية الأم، علق على تصريحات بنيامين نتنياهو العنترية غير الحميدة، وغير الودية ضد عملية السلام مع العرب، وحل الدولتين مع الفلسطينيين، واصفاً إياها بأنها محض مزايدات انتخابية لا يعتد بها.
زعيمة ميرتس، التي تعيش وتعمل داخل المطبخ السياسي الإسرائيلي، لم تخادع نفسها ولا راوغت جمهورها.. لكنها تركت هذه الخصال السلبية لبعض السلاميين على الجبهة العربية. مشكلة هؤلاء الأخيرين اليوم كبيرة.. فهم مثلاً لا يملكون إجابات مقنعة عن أسئلة من قبيل: لماذا تميل مزايدات نتنياهو ومحازبيه إلى معاكسة فروض التسوية واستحقاقاتها؟.
لماذا يزايد هؤلاء بالتشدد والتطرف ولا يزايدون بالاعتدال والمرونة؟. ليس ثمة إجابة معقولة ومنطقية سوى في أنهم يعرفون خيارات الناخبين وتفضيلاتهم، ويسدون إليهم الوعود التي تستجيب لهذه الخيارات والتفضيلات. وعليه، فإن الأمر يخلو هنا من النفاق والخداع والمزايدات.
لقد خاطب نتنياهو وبطانته، مجتمع الناخبين، وداعبوا أحلامه باللغة التي يفهمها، ووعدوه بتحقيق الأهداف التي يتوخاها.. أين قضية المزايدة والمراءاة بين مرشحين وناخبين يلتقون على سوية أيديولوجية وسياسية واحدة؟. نحسب أن استقالة جالؤون، ما كانت إلا عن إدراك عميق لهذه الحالة، التي ما عادت تناسب خطابها الحزبي المغاير، ولو نسبياً، بين يدي الرأي العام.
القصد، أن لاءات نتنياهو، التي خرقت الآذان وأسمعت من به صمم: لا للتنازل عن تهويد القدس، لا لوقف الاستيطان، لا لإجلاء المستوطنين، لا لقيام دولة فلسطينية في حدود 1967، لا لحق العودة الفلسطيني بالمطلق.. ليست مجرد لاءات انتخابية جوفاء.. إنها برنامج عمل استراتيجي، يستجيب لنداءات الذين منحوه أصواتهم ووضعوا فيه ثقتهم.
المؤكد أن مسار التسوية الفلسطيني سوف يكتوي بهذه اللاءات غداة الانتخابات، تماماً كما كان الحال من قبل.. هذا إن كانت عودة نتنياهو المنتشي قد أبقت لهذا المسار من معنى ومغزى. وبهذا الخصوص، يقول صائب عريقات، كبير المفاوضين الفلسطينيين، بأن «..الإسرائيليين اختاروا ألا يكون لهم شريك في عملية السلام..».
هذا تقدير واقعي وصحيح إلى أبعد التصورات، لكنه يبدو مثيراً للمفارقة، حين نتذكر أن الجانب الإسرائيلي بدوره، سبق له أن أشار مراراً إلى أنه لا يوجد شريك فلسطيني في هذه العملية! وإذا كان هذا هو منظور الطرفين المفاوضين لبعضهما البعض، فعن أي عملية سلمية على المسار الفلسطيني نتحدث؟.
نتائج الانتخابات الإسرائيلية طردت الموصوفين بالسلاميين الإسرائيليين من دائرة السياسة العملية في تل أبيب، وحشرت التسوويين الفلسطينيين والعرب في زاوية ضيقة، وهيأت الأجواء أكثر لتحليق الصقور على الجانبين إلى أعلى السقوف.. فكيف السبيل إلى الخروج من أحابيل هذا المشهد المقبض، الذي لا يعد إلا بالأسوأ؟.