المبادرة الكريمة لاتحاد المنتجين العرب، أحد مؤسسات الجامعة العربية، وحملة المرأة العربية لمنح سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك رئيسة الاتحاد النسائي العام، الرئيس الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية، رئيسة مؤسسة الأمومة والطفولة، لقب «أم العرب» تستحق التوقف عندها والتمعن في دلالاتها المهمة.

فسمو أم الشيوخ وأم الإمارات لم تكن يوماً بعيدة عن العمق العربي للدولة لا على صعيد العمل الإنساني، ولا على صعيد العمل النوعي لتعزيز مكانة المرأة العربية وتمكينها في مجتمعاتها. والحقيقة أن مبادرات سموها الداعمة للمرأة العربية بدأت منذ اقترانها بالمغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمة الله عليه، واستكمال مسيرة الاتحاد، حيث لعبت سموها دوراً مهماً في تعزيز مكانة المرأة العربية، من خلال تأسيس نواة صلبة لتمكين المرأة في الإمارات أولاً، بنيت عليها خطوات رئيسية مهمة على الصعيدين العربي والعالمي.

وخلال العقدين الأولين من عمر الاتحاد، ورغم انشغال سموها بتمكين المرأة الإماراتية وتعزيز وجودها التنموي والوطني، إلا أنها قادت، رعاية ورئاسة وإشرافاً، مجموعة من المؤتمرات المتخصصة عربياً وعالمياً وإسلامياً لتمكين وتعزيز موقع المرأة على هذه الصعد المتداخلة، كما في حالة مؤتمر المرأة العالمي في المكسيك عام 1975 وكوبنهاغن عام 1980، وكذلك مؤتمر المرأة المسلمة وإمكاناتها في التطور في الرباط عام 1977، ومؤتمر الطفولة في تونس عام 1979، والمؤتمر الإقليمي الثالث للمرأة في الخليج والجزيرة العربية في الكويت عام 1981.

هذا عدا عن استضافة ورعاية المؤتمر الإقليمي الثالث للمرأة في الخليج والجزيرة العربية في أبوظبي عام 1984، وحلقة دراسية حول الأوضاع السكانية والأسرية للمرأة بدول الخليج العربي في أبوظبي بعد ذلك بعامين، ثم استضافة ورعاية المؤتمر العربي الحادي عشر للمرشدات العربيات في أبوظبي نهاية عام 1988. واتخذت رعاية سموها بعد ذلك طابعاً أكثر تخصصاً وعمقاً، حيث قادت سموها مؤتمرات عن المرأة في التكنولوجيا، والمرأة والإعلام، ورعاية الشيخوخة، وسيدات الأعمال، والمرأة والأمن الإنساني، وغير ذلك كثير مما يضيق المجال عن حصره.

كما كانت سموها أحد الأعضاء المؤسسين لمنظمة المرأة العربية، وكذلك قمة المرأة العربية، ورعت تأسيس منظمة الأسرة العربية التي تستضيف الدولة مقرها، وغني عن البيان الدور الذي لعبته هذه المنظمات في وضع برامج عملية لمصلحة المرأة العربية وأسرتها.

وتقول الدكتورة سوسن عثمان نائبة رئيس المنظمة العربية للأسرة عن عملها مع سمو أم الإمارات: "لقد وجدت أنني أمام قيادة عربية فريدة تقوم بدور رائد يحق لنا كعرب أن نفخر بها ليس فقط أمام المجتمع العربي، ولكن أمام المجتمع الدولي أيضاً".

وبعيداً عن الصعيد الرسمي البروتوكولي، كانت سموها الأم الحانية في كل منعطف مرت به المرأة العربية بمأساة أو محنة، ولعل مبادرتها المشهودة عام 1982 لتمويل مشروعات إغاثة ورعاية الأيتام والمشردين من الأطفال الفلسطينيين من ضحايا الاعتداءات الصهيونية على مخيمات صبرا وشاتيلا وعين الحلوة في لبنان، تمثل نموذجاً لا يختلف عليه اثنان حول نظرة سموها الحانية لقضايا المرأة.

ولا تزال سموها الكريمة تمد يدها الدافئة لرعاية اللاجئات السوريات والفلسطينيات كما رأينا في مبادراتها الأخيرة، ودعمها المتواصل لمنظمات العمل الإنساني والخيري في الوطن العربي والعالم.

أما على صعيد التمكين فقد لعبت سموها ومنذ رعايتها، حفظها الله، اجتماع فريق الخبراء حول الأسرة العربية في مجتمع متغير: نحو مفهوم جديد للمشاركة في أبوظبي عام 1994 بتنظيم الاتحاد النسائي العام واللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا)، دوراً رئيسياً في تشجيع مبادرات التمكين للمرأة العربية في مختلف الصعد، كما في رعايتها المستمرة لمؤتمرات سيدات الأعمال العربيات، وبرنامج تعزيز دور البرلمانيات العربيات بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة الإنمائي للمرأة (اليونيفيم) وإطلاق برنامج المرأة والتكنولوجيا في الدولة وشبكة المرأة العربية في بلاد المهجر والاستراتيجية الإعلامية للمرأة العربية ورعاية جائزة المرأة العربية في العلوم والتكنولوجيا من أجل التنمية، هذا عداك عن دعمها المتواصل ورعايتها للاحتفالات السنوية لخريجات جامعة الإمارات العربية المتحدة وكليات التقنية العليا وجامعة زايد ومدرسة خولة بنت الأزور العسكرية.

ولا بد هنا من الإشارة إلى مبادرتين مهمتين لسموها في دعم المرأة العربية وهما جائزة الشيخة فاطمة بنت مبارك للشباب العربي التي تهدف إلى تعزيز هوية وأصالة الشباب العربي وانتمائهم الحضاري لأوطانهم، ورفع مستوى اعتزازهم بما حققته الحضارة العربية من قيمٍ وأخلاقٍ ومعارفَ وعلوم، وجائزة الشيخة فاطمة بنت مبارك للمرأة الرياضية التي تسعى إلى دعم ومساندة وتشجيع النساء الرياضيات، وتعزيز أجواء التنافس الشريف بينهن، والسعي للارتقاء بأدائهن على المستويات الفردية والجماعية في المجالات المختلفة الإدارية والرياضية، التدريب والبحوث، والرعاية الرياضية إضافة إلى ذوات الاحتياجات الخاصة.

لكن مبادرات سموها، حفظها الله، وإسهاماتها لم تقف عند حدود الوطن العربي، وإنما تعدته إلى العالم سواء على صعيد المبادرات المؤسساتية مثل رعاية سموها لمؤتمر "القمة الاقتصادية لنساء الريف" في مقر الأمم المتحدة بجنيف في العام 1992، أو على صعيد الدعم الإنساني المباشر مثل صندوق دعم كوسوفو عام 1999 وتأسيس دار الشيخة فاطمة للطالبات المسلمات في كولومبو بجمهورية سيرلانكا عام 2009.

ويستوقفني في هذا الإطار، قيام سموها بتأسيس صندوق الشيخة فاطمة لرعاية المرأة اللاجئة والطفل بالتعاون مع هيئة الهلال الأحمر في الدولة والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في العام 2000.

فقد كان هذا الصندوق عملياً أول مبادرة عالمية تعطي الأولوية لمعاناة المرأة في مخيمات اللجوء في مختلف أنحاء العالم.

ولعل تأسيس هذا الصندوق يكشف عن الروح الشفافة والإنسانية الجمة لسموها وروح المبادرة التي تمنحها قدرة عالية على استبصار أوجه الخير. لذلك كله، وفي الوقت الذي نحتفي فيه بأم الإمارات سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك أماً للعرب، نذكر أنها في الوقت نفسه حفرت لنفسها وبمداد من ذهب وسجل طويل من الإنجازات موقعاً فريداً كأم للعالم وللإنسانية.

حفظك الله يا أم الإنسانية!