للنيل مذاق مختلف، لكأنه ليس ماءً، لكأنه شريان حياة يبقي ما حوله حياً من بحيرة فكتوريا وسط إفريقيا إلى البحرالمتوسط، لكأنه بصمة التاريخ على صدر الجغرافيا منذ وجدت الأرض وكتب الإنسان حروفه الهيروغليفية على الصخر قبل الميلاد بـ 3300 سنة.

وعلى مر التاريخ مرَ على مصر حكام وأباطرة وأقوام وغزاة، انتصر من انتصر، ورحل من رحل، لكن النيل لم يغير مجراه ولا الأرض أصبحت عقيماً عن العطاء.

منذ صلاح الدين الأيوبي والعرب يدركون أن مصر أم المنطقة وهي الحنون، الغالية، تضم إلى صدرها كل من يحبو إليها ترضعه من حليبها أو يأتيها مستجيراً فتدفئه في حضنها أو طالب علم فترويه من علمها.

مصر ولاّدة خصبة وهي تتسع كل من يطأ أرضها، «مصر حضّانة بتوسع الكل» كما قال لنا سائق التاكسي الذي كان يزم شفتيه على سيجارته وينظر إلى النيل ذات زيارة. فسألناه «إزّيك، إزّي مصر؟» سحب نفساً عميقاً من سيجارته ونظر بعيداً أبعد من النيل وقال: «والله ما احنا عارفين مرسي واخدنا فين، الكل تعبان والبلد ضايعة و.. ربنا يستر»!

وقتها كان الإخوان المسلمون في عز السلطة أو ما كانوا يعتبرونه السلطة وهي في الحقيقة سقطة لا سلطة. فقد وصلوا إلى كرسي الرئاسة الذي راودهم منذ نشأتهم العام 1923 على يد حسن البنا، غير مدركين أنهم انحرفوا عن الدعوة للدين إلى تسييس الدين، ومن المسجد إلى القصر، ومن الحلم إلى الحكم.

كان في فوز مرسي على أحمد شفيق بفارق بسيط لغز محير . لكأن جهة ما تريد أن توصلهم إلى الحكم لتسقطهم من أعلى الهرم سقوطاً مدوياً كالذي حصل، وفي نفس الوقت تشعل فتيل الفتنة بين أبناء شعب مصر، أيضاً كما يحصل الآن.

الإسقاط من أعلى تكتيك ليس جديداً على المنطقة عبر سياسة «قشرة الموز» فقد حدث أن وضعت أميركا قشرة الموز لصدام حسين وشجعته ضمناً على غزو الكويت بعدما كانت رجحت كفته في الحرب التي استمرت ثماني سنوات على يران، فأخذته عزة «الانتصار» ووقع في إثم احتلال الكويت.

وها نحن نعيش فصلًا جديداً من المؤامرة من خلال التفاهم الأميركي الإيراني ليس ضد العراق العربي فحسب بل ضد الأمة العربية جمعاء من خلال اتفاق الملف النووي الذي يسانده بكل قوة البيت الأبيض ضد الجمهوريين في الكونغرس. وما احتلال الحوثيين الموالين لإيران صنعاء إلا حلقة من سلاسل تقييد الأمة العربية وحصرها بين أطماع قديمة موغلة بالحقد ضد العرب.

التاريخ يعيد نفسه والعرب يعودون الآن فريسة بين مشروع إمبراطوريتين ويقول علي يونسي، مستشار الرئيس الإيراني، حسن روحاني، «إيران اليوم أصبحت إمبراطورية كما كانت عبر التاريخ وعاصمتها بغداد حالياً، وهي مركز حضارتنا وثقافتنا وهويتنا اليوم كما في الماضي»، وذلك في إشارة إلى إعادة الامبراطورية الفارسية الساسانية قبل الإسلام التي احتلت العراق وجعلت المدائن عاصمة لها.

ونقلت وكالة أنباء «ايسنا» للطلبة الإيرانيين عن يونسي تصريحاته خلال منتدى «الهوية الإيرانية» بطهران، مؤخراً، قوله إن «جغرافية إيران والعراق غير قابلة للتجزئة وثقافتنا غير قابلة للتفكيك، لذا إما أن نقاتل معا أو نتحد»، في إشارة إلى التواجد العسكري الإيراني المكثف في العراق خلال الآونة الأخيرة.

وهاجم يونسي الذي شغل منصب وزير الاستخبارات في حكومة الرئيس الإصلاحي، محمد خاتمي، كل معارضي النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن «كل منطقة شرق الأوسط إيرانية»، قائلاً «سندافع عن كل شعوب المنطقة، لأننا نعتبرهم جزءاً من إيران».!

سياسياً قيل «لا..سلام بدون مصر ولا حرب بدون مصر» ونضيف: ولا وجود بدون مصر . وهذا ما يدركه العرب وتؤكده الأحداث.

وحسناً فعل ويفعل العرب بمساعدة مصر والأحسن أنهم تنادوا إلى مؤتمر تنمية اقتصاد مصر في شرم الشيخ حيث حضرت مساهمات دول الخليج العربي وغابت المساعدات الدولية البارزة للاقتصاد المصري.. حسب ما خلصت شبكة «بلومبيرغ» اﻹخبارية اﻷميركية في رصدها للمؤتمر.

فقد تعهدت دول الخليج العربي بتقديم مساعدات لمصر مقدارها نحو 12.5 مليار دولار حيث أعلن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، عن ضخ استثمارات إماراتية في مصر تبلغ نحو 4 مليارات دولار (مليارا دولار وديعة وملياران استثمارات).

وتعهد الأمير مقرن بن عبدالعزيز، ولي عهد السعودية، بتقديم المملكة حزمة مساعدات بـ4 مليارات دولار لمصر (مليار وديعة و3 مليارات استثمارات.

 كذلك أعلن الشيخ الجابر الأحمد الصباح، أمير دولة الكويت، عن ضخ استثمارات كويتية في مصر تبلغ نحو 4 مليارات دولار، فيما قدمت سلطنة عمان مبلغ 500 مليون دولار (250 وديعة في البنك المركزي و250 استثمارات لمشروعات في مصر).

هل نحن أمام صحوة عربية تعيد للأمة عافيتها ووحدتها وتالياً عزتها ومكانتها في العالم؟ نتمنى ونلح في التمني!