التمسك بأوهام الماضي والحنين لأجوائه وربما التخطيط للعودة إليه بالقفز على الحاضر وواقعيته، يستوجب التوقف لما في ذلك من غرابة.
للفرد بكل تأكيد الحق في التمسك بما يشاء من أوهام، فهو يجني وحده تبعات ذلك، ولكن حين تتضخم أوهام عظمة الماضي وتنعكس على مبادئ مؤسسة أو استراتيجية دولة، ففي ذلك خطايا قد ترقى تداعياتها إلى مستوى الكوارث، لأن نتائجها تنسحب على شعب أو عدة شعوب قد تكون مجبرة على خوض حرب أو حروب عبثية مع أو ضد وضع هذه الأوهام موضع التنفيذ، تخسر فيها ليس حلم الماضي فحسب بل وآفاق الحاضر وأمداً ليس بالقصير من المستقبل.
علاقة الماضي بالحاضر وبالمستقبل موضوع فيه الكثير من الالتباس خاصة لدى شعوب الشرق الأوسط التي تتخذ من الماضي وإدامة حضوره ملجأ للدفاع عن النفس وإثبات الوجود، ثقافة وسايكولوجية، بسبب غربة عن الحاضر وخوف من المستقبل.
فالدعوات على ألسنة بعض كبار المسؤولين في دول حققت حكوماتها بعض النجاحات على حساب مصالح شعوب أخرى بإعادة أمجاد إمبراطوريتهم التي اندثرت بدأت تظهر للعلن بشكل صريح وفج، هذه الدعوات لا تجعل من هؤلاء فرساناً يتطاير الغبار تحت وقع حوافر خيولهم وهي تقتحم في حملة شعواء مضارب الجيران لإعادة بعث إمبراطوريتهم، قدر ما تظهرهم ضعفاء لا يجدون ما يحتمون به غير أمجاد مهلهلة من الماضي.
ويبدو أنهم لا يرون ذلك الماضي على حقيقته بل يفضلون رؤيته في ضوء تضخم حسهم وطموحاتهم القومية التي يعجزون عن تحقيقها في أطر العصر وقيمه وأخلاقياته.
التأريخ لا يعيد نفسه كما يتصور البعض، فلا مجال لعودة إمبراطورية اندثرت منذ زمن طويل، إلا أنه رغم ذلك هناك أهمية كبيرة لقراءته بعناية لأخذ العبر منه خاصة للعاملين في الحقل السياسي والذين يشغلون مواقع متقدمة في صياغة الاستراتيجيات وصناعة القرارات.
فالقراءة السليمة لتجارب الماضي تساعد إلى حد كبير على التواصل بحكمة وواقعية مع الحاضر تجنب الشعوب المآسي والأخطار.
النجاحات تغري بالمزيد من الإيغال نحو جني الأرباح طالما تحققت بيسر وسهولة، إلا أن الطريق قد يصبح خطراً جداً حين ينزلق أصحابها مدفوعين بغرور ساذج إلى تجاهل الواقع للعمل على إعادة ماض بعيد متجاهلين التغيير الكبير الذي طرأ على العالم.
لا شك أن دعوات إحياء إمبراطوريات دارسة لم تأت من فراغ، فحين يعيش المرء طويلاً في أجواء ثقافة بعينها ولم يجد دافعاً أو مبرراً ليدير ناظريه في الاتجاه المعاكس، ليتساءل عن مستقبل ما تشبع به من رؤى وأفكار، يرى أن دعوته هذه ليست غريبة عن سياقات الأحداث، لا سيما أن الأجواء كلها قد تشبعت بأفكار الماضي الذي يتمترس بعمق بين ظهراني شعوب المنطقة.
هذه الدعوات تكشف العقلية الطوباوية التي لاتزال بعض القيادات في المنطقة غير قادرة على الفكاك من أسرها، وهي على النقيض من العقلية الواقعية التي يتسم بها سياسيو الغرب، فليس هناك سياسي بريطاني يدور في خلده العمل على إعادة الإمبراطورية البريطانية التي بسطت نفوذها على أوسع رقعة من العالم عبر التأريخ، وليس هناك في اليونان من يدعو لإعادة إمبراطورية الإسكندر المقدوني، ولا هناك في روما من يتحدث عن اشتياقه لعودة حقبة الإمبراطورية الرومانية.
اكتسب الإنسان المعاصر عبر تجارب التأريخ القاسية قيماً جديدة وأدوات متنوعة تضمن له حقوقه وتشركه في صناعة مستقبله نحو حياة أفضل، فلم يعد يرى في إرث تلك الإمبراطوريات جاذبية تغريه بالاصطفاف وراء حلم إعادتها، فقد تأسست تلك الإمبراطوريات على قاعدة قهر شعوبها قبل قهر الشعوب الأخرى التي وقعت تحت نير عبوديتها لغرض إعلاء شأن السلاطين والأباطرة والأكاسرة.
وحين انهارت تلك الإمبراطوريات تحت وطأة تناقضاتها فقد حدث ذلك بحكم قوانين التطور الطبيعي التي لم تعد تسمح لها بالبقاء.
إن ما يتوافر في الحاضر للإنسان من تقدم في جميع مجالات الحياة يفتح الطريق نحو استشراف مستقبل أفضل ليعيش في كرامة وسلم مع جيرانه، ويحقق لشعبه أفضل الفرص مما لا يقارن بما كان في الماضي لأسلافه.
إن الحلم الذي يقتصر على طموح تحقيق ما كان في الماضي ليس غير خيار بائس يعجز عن تفهم وإدراك ما هو متوافر في الحاضر من آفاق رحبة وخيارات متنوعة.
الصراعات الملتهبة التي تدور في منطقة الشرق الأوسط تبدو أحياناً ذات طابع قومي أو ديني أو مذهبي، إلا أن الراصد لا يفوته رصد الحضور القوي لقيم الماضي وقيم الحاضر في هذه الصراعات، وإن مما يدعو حقاً للاستغراب هو أن الإنسان الذي لا يستطيع العيش بعزلة وعلى انفراد في هذا العالم لا يعير اهتماماً للتنازلات التي تنتظرها الحضارة منه كي تصبح حياته المشتركة مع الآخرين ممكنة.