من النتائج التي يراها البعض شديدة السلبية ويراها آخرون شديدة الإيجابية لثورة الخامس والعشرين من يناير في مصر، أن الشعب المصري لم يعد يصبر على ظلم أو ضيم أو تجاوزات ولو لبرهة من الوقت، أما لماذا هي إيجابية فلأنها تعني أن المواطن لم يعد مستعدا لتكرار أخطاء الماضي بالصمت والاستكانة والانسحاب من الحياة العامة والقبول بالسياسات والحكومات أياً كانت توجهاتها ومهما كان فسادها لعشرات السنين المتتالية إلى أن تخرب البلاد.
لماذا هي سلبية، لأن الآثار المترتبة على حالة الصمت الطويلة والقبول بالفساد والديكتاتورية لسنوات طويلة أتت بنتائج عكسية فجعلت الشعب نافد الصبر في حالة غليان وثورة دائمة، وهي ظاهرة خطيرة لأنها تفاقم التوتر ولا تعطي مساحة من الاستقرار المنشود لتهيئة الأجواء نحو تبني برامج إصلاح شاملة في مختلف المجالات وتنفيذها بالشكل السليم فتزداد حالة التردي.
وهذا ما يفسر كثرة التغييرات للمسؤولين والقيادات والوزراء خلال السنوات الأربع الماضية لدرجة أن عدد المسؤولين الذين تناوبوا مناصب معينة ربما يفوق عدد كل ما شهدته مصر منذ عام 1952، ليس هذا فحسب ولكن بدلاً من المرور بفترة انتقالية واحدة بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير مرت البلاد بأكثر من فترة انتقالية كانت في كل مرة تقود مصر إلى الخلف وسط كثير من مظاهر التوتر والخسائر المادية والمالية والاجتماعية وأيضا البشرية.
ولم يكن في مقدور الغالبية العظمى من أبناء الشعب أن يحفظوا أو يتذكروا أسماء الوزراء أوالمسؤولين أو المحافظين لكثرة وسرعة تغييرهم، بل إن الدولة التي عرفت ثلاثة رؤساء عبر ستين عاماً (عبدالناصر والسادات ومبارك) تبدل عليها أربعة رؤساء خلال أقل من أربع سنوات بعد خلع مبارك (المشير طنطاوي ومحمد مرسي وعدلي منصور والرئيس السيسي).
ويمكن ببساطة أن نتصور أن هذه الحالة سيطرت على المصريين في كل المواقع، فكثرت التغييرات والتنقلات وازدادت المطالب الفئوية والإضرابات والاحتجاجات العمالية التي يرغب أصحابها في تنفيذها في الحال.
للإنصاف ولأننا عشنا وعايشنا وقائع هذه الفترة عن قرب وبحواس يقظة، فإن هذه الظاهرة كانت قد تراجعت بشكل واضح في أعقاب تولي محمد مرسي رئاسة البلاد منتصف عام 2012 بعد انتخابات ساخنة ومتقاربة مع الفريق أحمد شفيق، وتجلى ذلك في نزول الملايين من المصريين من كل الأطياف والتوجهات السياسية والثورية إلى ميدان التحرير ابتهاجاً واحتفالاً بفوزه معلنين عن دعمهم التام والكامل له.
إلا أنه هو نفسه الذي فجر مجددا ظاهرة الغليان الداخلي لدى المصريين بانقضاضه على الديمقراطية وإسقاطه لكثير من مظاهرها التي ولدت بعد ثورة الخامس والعشرين، فأعاد برلماناً غير دستوري في انتهاك صارخ لحكم قضائي سابق، وأصدر إعلانا دستوريا يكرس من صلاحياته وممارساته الديكتاتورية، وعزل النائب العام رمز النظام القضائي في مصر عن غير وجه حق، فضلاً عن سياساته التي كشفت عن أخونة صريحة للدولة. ما جعل الشعب المصري يدرك أن بلاده وهويته تسرقان منه، فسحب التأييد سريعاً ورفض أن يمنح مجددا شيكا مفتوحا على بياض بدون ضمانات.
«استحملتم مبارك ونظامه ثلاثين عاماً، فلماذا لا تتحملون الرجل أربع سنوات هي فترة رئاسته؟». الواقع أن كل شيء كان يسير للأسوأ مع غياب أية مؤشرات على إمكانية التحسن أو التغيير للأفضل فثار الشعب على مرسي ونظامه وجماعته.
وهنا يثور السؤال مجدداً، لماذا يتحمل الشعب السيسي برغم أن العمليات الإرهابية مازالت منتشرة في البلاد وسقط فيها العشرات من أبناء الشرطة والجيش على وجه التحديد، بينما التفجيرات العشوائية وعمليات التخريب والتدمير وحرق المصالح والمنشآت مازالت تحدث هنا أو هناك في مؤشر على استمرار مظاهر التوتر الأمني، بينما الأوضاع الاقتصادية لاتزال صعبة ومرهقة للمواطن؟
بل إن برامج خفض الدعم وزيادة أسعار الطاقة انعكست في موجات ارتدادية جديدة من الغلاء التي يتحملها المواطن بكل تأكيد، فضلاً عن أن الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية والتموينية ليست في أفضل حالتها بعد، فلماذا الصبر على السيسي من جانب شعب أصبحت صفته الأبرز عدم القدرة أو عدم الرغبة في الاحتمال؟
لن نحار كثيرا في الإجابة عن هذا السؤال أو التساؤل، فبداية رصيد شعبية ومحبة السيسي في الشارع المصري لايزال في ذروته برغم كل ما يحدث، ولا ينسى الشعب أنه لجأ إلى السيسي وطالبه بالنزول لتخليصه من الكابوس البشع الذي عاشه مع مرسي.
بقي شيء آخر، هو أن السيسي صاحب مشروع وطني حقيقي يهدف لإعادة بناء مصر الجديدة الحديثة بروح وبإرادة مصرية وليس بمظلة التنظيم العالمي للإخوان، مذكراً الشعب المصري بزعيمه الراحل جمال عبد الناصر.