يبدو أن صبر الإيطاليين على تكاسل الشركاء الأوروبيين عن معاونتهم في التصدي لقضية تدفق المهاجرين عبر السواحل الجنوبية للقارة قد بلغ منتهاه.. إذ لم تعد السلطات الإيطالية تخفي تبرمها مما تصفه بتحملها وحدها للأعباء المادية والمعنوية لمراقبة الحدود، لاسيما بعد أن وصلت أعداد المهاجرين الى أرقام لا تطاق.

بفعل هذه الشكوى الغاضبة، تشهد الأوساط الأوروبية، الأيديولوجية والسياسية والأمنية، بل والحقوقية والأخلاقية أيضاً، جدلاً ظل معظمه مخبوءاً أو هامساً، ولم يكن يطل صريحاً الا بشكل موسمي، لفترة طويلة.

والواقع أن الموقف الإيطالي الجديد وردود أفعاله على المستوى الاتحادي، ينذر بسياسة أوروبية شاملة أكثر تشددا وحساسية ازاء الهجرة والمهاجرين من الجنوب. ومثلما كانت روما مبادرة الى استمالة تعاطف شركائها الاتحاديين مع هذه القضية، ثمة ما يوحي بأنها ستكون سباقة الى تبني السياسة المغايرة.

ايطاليا أطلقت في أكتوبر 2013؛ على اثر مصرع نحو 400 مهاجر غرقا، ما أسمته عملية «ماري نوستروم»، أي انه بحرنا، في محاولة منها لانقاذ المهاجرين الذين يبحرون من سواحل ليبيا على متن مراكب بدائية متهالكة. وبحلول منتصف 2014 كانت البحرية الايطالية قد انتشلت نحو 50 ألف مهاجر، بينهم زهاء 6 آلاف طفل؛ جاءوا من سوريا وبلدان في جنوب الصحراء الإفريقية.

كان التصور الايطالي أن بقية الشركاء الاتحاديين سوف يعززون هذه العملية الانسانية، ويتجاوبون معها نظريا وعمليا بما يتلاءم مع امكاناتهم.. لكن روما تزعم الآن أن شيئا من ذلك لم يحدث بالكيفية المأمولة أو المطلوبة، لا من جانب هؤلاء الشركاء ولا من سواهم كالمفوضية العليا للاجئين في الأمم المتحدة والمنظمة الدولية للهجرة.

المفارقة هنا أن هذه الأصداء الفاترة، أوروبيا وعالميا، قد تزامنت وتوازت مع مزيد من موجات الهجرة.. فالتعاطف الايطالي أغرى المهاجرين باحتمال تلقيهم المدد، حتى أن أعدادهم ارتفعت باتجاه التخوم الأوروبية عموما من زهاء 100 ألف عام 2013 الى ما يقرب من ثلاثة أمثال هذا الرقم عام 2014. والمدهش أن ايطاليا، صاحبة الأحضان الدافئة، نالها النصيب الأكبر من هذه الزيادة، بحيث عبر اليها في هذه الفترة نحو 175 ألف مهاجر.

من المؤكد أن اتساع الخرق على هذا النحو، استفز الراتق الايطالي وأجبره على اعادة النظر في رؤيته للقضية وأسلوبه في مقاربتها.

نلمس هذا التحول في الانتقال من سياسة «بحرنا » الى التعامل مع القضية تحت شعار «انه بحر أوروبا».. يقول رئيس أركان عملية ماري نوستروم ميشال سابونارو ان «..المتوسط وشواطئه ليس بحر ايطاليا وحدها، فهو يقع في قلب حدود أوروبا ويحتاج الى سياسة أوروبية مشتركة..».

الموقف الايطالي الجديد أشعل تناظرا عميقا في الرحاب الأوروبية شبه الراكدة.. فبعض الشركاء عبروا عن تعاطفهم وتفهمهم لمنطق روما، فانتقدوا الغياب الأوروبي عن القضية، وأشاروا الى ان «..مصداقية المؤسسات الأوروبية تتعرض للاهتزاز، وعليها أن تواجه أعدادا لا تحتمل من المهاجرين..».. هذا في حين أظهر شركاء آخرون تأففهم من الامتعاض الايطالي غير المبرر في تقديرهم لأن «.. ماري نوستروم تتلقى دعم المفوضية الأوروبية للشؤون الداخلية بكل الوسائل الممكنة»..

من الواضح أن التلاوم والاصطكاك الناعم ومحاولة تلمس أنسب سبل التعامل مع قضية المهاجرين ومعالجتها في الأطر الاتحادية، هي الأنماط الغالبة على الجدل الأوروبي بهذا الخصوص.

واللافت أن روما المستاءة قد ألقت مؤخرا بورقة بالغة الحساسية.. فهي اثارت انتباه الشركاء الاتحاديين الى الأخطار طويلة الأجل؛ التي تنطوي عليها قضية الهجرة جراء «.. عودة الشبان المتطرفين حملة الجنسيات الأوروبية، من ميادين القتال في سوريا والعراق وسواهما من المناطق الشرق أوسطية الملتهبة.. بما يقتضي اجتراح عمليات مراقبة ومعايير متشددة في استقبال العائدين والمهاجرين على حد سواء..».

هذا الإنذار الإيطالي؛ المعزز بنداءات القوى الأوروبية الشوفينية؛ المتطرفة ايديولوجيا وسياسيا، سينعكس سلبا على الجدل المتفاعل بشأن حدود الكرم مع المهاجرين.

والحق أن هذه النتيجة لم تتأخر كثيرا، فقد راحت بعض الدول الشهيرة بحسن استقبال المهاجرين، كالسويد والنرويج والدنمارك وبلجيكا، تغلق أبوابها تدريجيا في وجوههم، وتخفض عدد مراكز الرعاية والتأهيل المخصصة لهم. ومن غير المستبعد أن يأخذ الأوروبيون بالاقتراح الهادف الى اقامة مخيمات استقبال للمهاجرين في دول شمال افريقيا، في خطوة استباقية تقي شواطئ القارة من توابع التعرض للضغوط بشكل مباشر.

الشاهد أن الأوروبيين سيتوصلون، عاجلا أم آجلا، الى حلول تعاونية مشتركة، يعالجون بها هموم الهجرة والمهاجرين.

لكن الدول المصدرة لهذه القضية ليست بوارد الاهتداء الى أوضاع أكثر اشراقا، تحول دون استمرارية القضية عند المنبع.. والسؤال هنا، كيف سيتصرف المتأملون في وعود الهجرة، عندما يجدون أنفسهم وقد وقعوا بين بيئة لافظة لهم في بلادهم بالجنوب، وبين حائط صد أوروبي متين في الشمال؟.