يقينا أن ما أكد عليه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، خلال اطلاق سموه الجيل الرابع من منظومة الأداء الحكومي باعتباره المرحلة الجديدة من التميز من حكومة ينتظر منها المواطن دائما أن تقدم له الجديد، وما أكد عليه سموه يحتاج إلى وقفات لتأمله مرات ومرات، فهو ليس حدثا عابرا ينتهي بانتهاء فعالياته.

لكنه نهج استباقي لحكومة لا تسيرها وتحكم حركتها ردات الأفعال أو تحدد مساراتها حركة الأحداث المحيطة بها في عالم مضطرب، ولكنها تأخذ بزمام المبادرة والقدرة على الفعل والدور القادر على صناعة الحدث وليس العمل على كيفية التفاعل معه وفقط.

والحق أن أول ملمح يستحق التوقف عنده هو دلالة مسمى الجيل الرابع من منظومة التميز الحكومي، الذي يؤكد على أن التميز له أوجه عدة ولا يتوقف عند مرحلة بذاتها، وأن تميز الأداء الحكومي في إصداره جديد يحمل ملامح لا تقبل بما كان عليه الحال في عام مضى، وأنه أداء حي يجدد من نفسه ومن حركة أصحابه، وعندما يطلق مسمى الجيل الرابع فهو يحمل في طياته دلالة واضحة على تطلع المواطن، لما يكشف عنه هذا الإصدار.

وما تحمله رياحه من نسائم وهبات الخير، التي تنسمها المواطن في المرحلة الأولى وقطف ثمارها، التي كانت بدايتها منذ 21 عاما حين كانت جائزة دبي للجودة رأس الحربة، حتى بات إطلاق أجيال تميز الأداء الحكومي بمثابة احتفاليات النهوض بالوطن وتوقعات تيسير حياة الناس لمدى أوسع.

الملمح الثاني هو الهدف الذي اشار اليه سموه منذ سنوات، هو أن تميز الأداء الحكومي ليس غاية في حد ذاته ولكن هدفه الأسمى هو «إسعاد الناس»، وسموه في ذلك يصدر التكليف الاستراتيجي للعاملين بالحكومة للبدء بمعركة البناء على مختلف الأصعدة، وتحديد الهدف هو بشريات النجاح.

كما المعارك الحربية التي لا يمكن أن تندلع شراراتها دون أن يصدر القائد الأعلى للجيوش القرار الاستراتيجي للمعركة لكي يحدد المقاتلون متى ينتهي القتال، غير أن معارك مسيرة التميز لا حد يحدها ولا محطة تتوقف عندها إلا لتقيم موقفها لتبدأ مرحلة جديدة، فهو سباق لا يعترف بحدود الزمان والمكان.

كما أن أهدافه لا سقف لها عند أصحاب العزائم والهمم العالية، الذين يسعون لنهضة أوطانهم واسعاد شعبهم، وأكرم بها من غاية، ذلك أن السعادة هي مفتاح النجاح، والشخص السعيد سيفكر بإيجابية ويعمل، وهو مصدق أنه يؤدي عملا جيدا يأمل أن يوصله للنجاح.

وهي الطريق الذي يشعر الفرد بالسلام الداخلي الذي يحكم حركته في التعامل مع الغير وقبوله له، كما أنه الشعور الذي يجعل الفرد بعيدا عن تأثير الآخرين، فما أيسر التأثير على المحبطين واستغلالهم والانحراف بهم بعيدا تحت ضغط الإحباط أو انعدام الأمل في غد أفضل.

الملمح الثالث للجيل الرابع من منظومة التميز الحكومي هو التنافس مع الذات دون النظر للغير، وتلك خلاصة الفكر التنموي المتعلق بتطوير الذات والطريق إلى صناعة النجاح، إنه من الجيد أن تحاول الاستفادة من تجارب الناجحين لكن لا تقارن نفسك بأي منهم، انظر فقط إلى ما أنت عليه بالمقارنة بما يمكنك أن تكون، وأن تصنع من ذلك العلامة التي عليك التسديد نحوها والهدف الذي تسعى نحوه، وهو ما يعني استنفار الذات واستخلاص الجديد من مكنون إبداعاتها، وهذا هو ديدن الرواد الذين غيروا خريطة الحياة لشعوبهم.

وهم مصابيح التنمية لمن حولهم من الشعوب الراغبة في اللحاق بمسيرة الظفر والنجاح، وهي قيمة تدعو إلى الابتكار، كما أن منافسة الغير قد لا تشعر الفرد بقيمة النجاح الحقيقي، ذلك أن التاريخ لا يعرف غير أصحاب المراكز الأولى، ولا ينظر إلى العربات الخلفية للقطار مهما كان عددها بقدر ما يهتم بالقاطرة الأولى التي تجر غيرها من القطارات وتملك أن تكمل مسيرتها بدونهم، ولكن غيرها لا يمكنه السير بدونها.

الملمح الرابع وهو ربط الأداء بالنتائج التي تحققها مختلف الجهات وفقا للمهام المنوطة بها ودورها في تحقيق الأجندة الوطنية كما تنعكس بشكل إيجابي وفاعل على حياة الناس اليومية في وقت معا، ولا شك أن مقياس الأداء بالنتائج واقعي وغير عاطفي.

كما أنه يكشف بشكل واضح مستوى النضج الذي وصلت إليه مختلف المؤسسات والدوائر في رحلتها نحو الريادة، ويساعد على تحديد مجالات وفرص التحسين التي تساعدها في تقويم الخلل من حين لآخر حتى لا يهدر الوقت والجهد والمال.

كما أن ربط الأهداف بالنتائج من أهم الاستراتيجيات الإدارية الفاعلة التي تتيح المجال لتسخير كافة الموارد المادية والبشرية المتوفرة، فضلا عن توجيهها نحو الرؤية التي تتحقق من خلال العمل كمنظومة واحدة من خلال المواءمة بين الأهداف الموضوعة مع النتائج في فترة زمنية محددة.

كما أنها عملية إدارية متكاملة تعمل على الجانب الإنساني والتنظيمي والإداري، فضلا عن ذلك فهو يعمل على إيقاظ المصلحة لدى الأفراد لتحقيق الأهداف بمستوى متطور من الكفاءة، في الوقت ذاته يضمن قياس الأداء والحكم عليه بشكل مستمر وموضوعي عن طريق المراجعة الدورية.

الملمح الخامس اعتماد الابتكار كمحور أساس في منظومة الجيل الرابع من منظومة التميز الحكومي، وهو ما لم يكن بعيدا عن المراحل السابقة، غير أن اعتباره محورا من محاور المنظومة الجديدة يعني عدم الاكتفاء بالنظر إلى الأهداف الآنية دون التخطيط لما بعدها من خلال استشراف المستقبل الذي قال عنه صاحب السمو «إن هناك من ينتظره ونحن نبادر لنصنعه، وإن بوابة حكومات المستقبل لا تسمح بعبور الأفكار التقليدية وطرق العمل التي عفا عليها الزمن».

وهو ما يحفز الجهات الحكومية على تطوير قدرات التعامل مع غد آت بمزيد من التعقيدات والتحديات، التي تتوجب وضع خطط قادرة على استشرافه، كما أنها قادرة على أن تسبقه بخطوة، وهو السبيل لتظل الإمارات نموذجا يحتذى به لكل متطلع إلى إسعاد شعبه.