بانتهاء أعمال مؤتمر دعم وتنمية الاقتصاد المصري الذي عقد في شرم الشيخ، تحت شعار «مصر المستقبل»، تكون مصر قد وضعت أقدامها على مسار جديد لمشروع نهضوي واضح المعالم، يعيد ثقة المستثمرين في الاقتصاد المصري، ويدفع عجلته التي تضررت بشدة بعد 25 يناير 2011، نتيجة عدم الاستقرار السياسي الذي كاد يعصف بمستقبل مصر، لولا إدراك المخلصين من أبنائها لخطورة ما كانت ستؤول إليه الأمور، واستعادتهم الزمام لوضعها على الطريق الصحيح، وتصحيح أخطاء الماضي للانطلاق نحو المستقبل بثقة أكبر، وأخطاء أقل، ووعي أكثر.
تذكرت وأنا أتابع افتتاح القمة، يوم الجمعة الماضي، مشروع النهضة الذي أطلقته جماعة الإخوان المسلمين عام 2012، عندما قامت بترشيح المهندس خيرت الشاطر رئيساً للجمهورية، قبل أن يتم استبعاده من انتخابات الرئاسة، وترشح الجماعة الدكتور محمد مرسي بديلاً له، ليقوم هو بحمل المشروع بدلاً من الشاطر.
كما تذكرت ما تلا ذلك من أحداث على مدى عام كامل، توارى خلالها مشروع النهضة الإخواني عن الأنظار، رغم الدعاية الكبيرة التي صاحبت إطلاقه، والادعاء بأن ما يقرب من 1000 عالم وخبير ومتخصص قد شاركوا في إعداده، وأن 16 لجنة استشارية متخصصة قد عملت على صياغته، وأن فرق العمل التي أعدته قامت بزيارة أكثر من 50 دولة لنقل تجاربها، وأنه تم التوصل من هذه الزيارات إلى 25 تجربة رائدة في 25 دولة، حتى يجمع المشروع تجارب النجاح في كل العالم.
هذا المشروع الذي استخدمته الجماعة ورقة للوصول إلى كرسي الحكم، لم يكن له أي انعكاس على الواقع بعد أن تولى الدكتور مرسي سدة الرئاسة، إلى درجة أن الجماعة عملت على حجب المصطلح إعلامياً، وصارت تتحدث عن مشروعات منفردة لا علاقة لها بالمشروع الكبير الذي اتخذته وسيلة انتخابية خلال مرحلة السباق الرئاسي، الأمر الذي أثار تساؤلات حول مدى جدية الجماعة في طرح مشروع النهضة، وحول ما إذا كان المشروع يعبر عن رغبة حقيقية للنهوض بمصر، أم أنه كان مجرد واجهة انتخابية براقة للوصول إلى أكبر عدد من أصوات الناخبين، في ظرف دقيق كانت مصر فيه على مفترق طرق، وكان حلم الوصول إلى السلطة خلاله يداعب خيال الإخوان، ويجعله يقترب من أيديهم أكثر من أي وقت مضى، منذ نشأة التنظيم على يد مؤسسه حسن البنا قبل أكثر من ثمانية عقود.

«يعلمنا التاريخ أن مصر عندما تكون قوية فإنها قادرة على بث الحياة في الأمة وتجديد نهضتها». هكذا قال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، في كلمته أمام مؤتمر شرم الشيخ، يوم الجمعة الماضي، موضحاً أن نهضة مصر بث الحياة في الأمة كلها، وليس القطر المصري وحده. مؤكداً أن وقوفنا مع مصر «ليس لعائد سريع نرجوه، بل هو استثمار في مستقبل أمتنا»، مشيراً إلى أن «ما نضعه في مصر اليوم هو استثمار لاستقرار المنطقة، سنراه في الغد القريب بإذن الله».
الرهان على المستقبل هو ما اختاره الشعب المصري. هكذا صرح رئيس الوزراء المصري المهندس إبراهيم محلب لجريدة «البيان» يوم افتتاح القمة، لافتاً إلى أن عقارب الساعة لن تعود إلى الوراء، مؤكداً أن حجم المشاركة الكبير في مؤتمر دعم الاقتصاد المصري، يعكس وبقوة ثقة المستثمرين العرب والأجانب في الاقتصاد المصري، وفي قدرته على النهوض من جديد.
لهذا نعتقد أن على مصر أن تتخلص من كل سلبيات الماضي التي يعرفها أبناؤها أكثر منا، وأن تقضي على البيروقراطية التي أخرتها سنوات كثيرة، وأن تقف بقوة في وجه الفساد الذي راكم أخطاء الأنظمة السابقة، وأدى إلى خروج الناس يوم 25 يناير 2011، في ثورة غضب شعبية استغلها الانتهازيون كي يثبوا على السلطة، ويصلوا إلى الحكم بمشروع نهضة وهمي، سرعان ما انكشف زيفه، وأصبح ورقة حرقت معها أولئك الذين حملوها في أيديهم، فأصبحت هي وهم جزءاً من الماضي الذي لن تعود معه عقارب الساعة إلى الوراء أبداً.
مصر تتحرك في الاتجاه الصحيح. هذا ما أكدته «كريستين لاجارد» مدير عام صندوق النقد الدولي، قبل مغادرتها واشنطن في طريقها إلى شرم الشيخ للمشاركة في المؤتمر، مشيرة إلى أن الحكومة المصرية وضعت خطة طموحة لتلبية تطلعات البلاد الاقتصادية، وتوقعت «لاجارد» استقراراً أكثر للاقتصاد المصري، وتحسناً في معدل النمو وفرص العمل.
وعن توقعاتها بشأن نمو الاقتصاد المصري على المدى القريب والمتوسط قالت «لاجارد» إن هناك الآن ما يبعث على الأمل، بعد سنوات عصيبة عدة، فقد بدأت الإجراءات المتخذة في العام الماضي تؤتي ثمارها من حيث ارتفاع مستوى الثقة. الاقتصاد إذن هو الأساس القوي والأول لأي نهضة، والاستثمار هو الداعم الأول للاقتصاد، والثقة هي العامل الأول لجلب الاستثمار.
«مصر قطعت أشواطاً مهمة وناجحة لإصلاح الاقتصاد المصري، وبناء مصر المستقبل خلال فترة قياسية.
وكلنا ثقة بقدرة مصر على الاعتماد على نفسها في المستقبل». هكذا قال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في كلمته أمام مؤتمر «شرم الشيخ» الذي وضع مصر في المسار الصحيح لمشروع نهضة حقيقي، يجبّ كل المشاريع الوهمية التي حاولت أن تغازل المواطن المصري لتكسب صوته الانتخابي، ثم تم وضعها في الأدراج قبل أن يذهب أصحابها إلى المكان الذي يستحقون.