00
إكسبو 2020 دبي اليوم

«الاعتيادية» عائق أمام صناعة المستقبل

ت + ت - الحجم الطبيعي

بين جدران «الاعتيادية» نجد أنفسنا مستسلمين لاسترخاء وكسل لذيذين، فنحن كسائر الناس نُديم ما استلمنا من الآباء والأجداد ونحرص على تسليمه للأبناء مفاخرين برفع هذه الراية التي تحمل اسم «الاعتيادية».

في خيمتها نعانق الخدر الجميل بنشوة ونداعب الذات الكسولة بغزل ونستكين باستسلام لقيود أطر عقلية توجهنا إلى تكرارية في التفكير وتدفعنا لتكريس القناعات والمُسلمات الموروثة وتعزيز هيمنة الفكر المحافظ الذي رضع من أثداء «الاعتيادية» وشرب من مائها الراكد.

وبكلمات المؤلف والكاتب المسرحي والشاعر الإيرلندي أوسكار وايلد، أحد أبرز مشاهير عصره، «معظم الناس هم أناس آخرون! آراؤهم آراء شخص آخر، حياتهم تقليد وعشقهم اقتباس».

بهذه الكلمات ينقل وايلد انطباعاته عن مجتمعه الأوروبي، إلا أنه في الوقت نفسه يتحدث عن ظاهرة عالمية، فمعظم الناس في جميع أنحاء العالم اعتياديون، لا دور لهم في صناعة التأريخ فهم مقادون من قبل من صنعه ومن يصنعه.

صناع التأريخ هم قلة قليلة في مجال الفكر أو الفلسفة أو العلم أو الاقتصاد أو الإدارة أو السياسة أو غير ذلك، هؤلاء يمتلكون القدرات على صناعة التغيير.

«الإبداع» الذي يتردد ذكره بين الحين والحين في الأوساط الأكاديمية وفي وسائل الإعلام يضم في جوهره أبرز عناصر صناعته ألا وهو «التمرد» والخروج على أعراف «الاعتيادية» وهيمنتها التي تصيب العقل بالشلل وتطبع السلوكيات بالتكرارية.

بدأت ظاهرة «الإبداع» تلقى اهتماماً غير عادي في الآونة الأخيرة وذلك لما لها من دور ريادي في صناعة التقدم على جميع المستويات، فقد حظيت بدراسات عديدة من زوايا مختلفة وبأدوات متنوعة. إلا أن ما يميز معظم هذه الدراسات هو أنها اقتصرت على مقاربة الموضوع وكأنه خاص بالأدب والفن فحسب.

هذه الظاهرة تستحق المزيد من التعمق في دراستها، إذ إنه من غير الممكن أن تدرس بموضوعية من غير أن توضع في العمق الذي تنتمي إليه في الحاضر وفي الماضي، فكرياً وفلسفياً ونفسياً واجتماعياً واقتصادياً. فلن يكون بقدرتنا التعرف إلى جذور التشابه في الأسباب والدوافع التي تجعل الإبداع ممكناً رغم التباين في المسافات والاختلاف في الأزمنة.

ولعل من المناسب أن نشير في هذا الصدد إلى أن البحث في ظاهرة الإبداع على أسس بيولوجية وراثية لا يستقيم على أسس صلدة، سيما ونحن لا نزال في شح شديد لمعرفة أكيدة تتناول ظاهرة تتعلق بسلوك إحدى الخلايا في أحد أجهزة الجسم، ناهيك عن الجهاز العصبي المركزي للإنسان والذي يتميز عن سائر الأجهزة الأخرى بالقدرة على الابتعاد عن الإيقاعات المشفرة في الجانب اللا إرادي في السلوك والوظيفة.

من جانب آخر ليس هناك من دليل يعول عليه في ضوء الدراسات الإحصائية يشير إلى أن أبناء المبدعين في مجال العلوم أو الآداب أو الفنون كانوا أيضاً كذلك.

لا يخفى على القارئ بأن «الإبداع» ظاهرة تشذ عما هو مألوف ويتداخل في صنعها ما هو موضوعي وما هو غير موضوعي ويندغم في إنضاجها الوعي واللاوعي، فالإبداع يكمن خلف جميع الاكتشافات والابتكارات العلمية والإنجازات الأدبية والفنية المتميزة ذات الطابع الأصيل والتي أوصلتنا إلى ما نحن عليه من تقدم مادي وقيمي.

فالشخص المبدع في أحيان كثيرة يترك مخيلته لتطوف في فضاءات غير مادية، هذه الفضاءات هي التي تمكنه من صياغة أفكار جديدة تنشأ من الربط بين جزئيات هنا وجزئيات هناك لا مجال لرؤية العلاقة بينها إلا في فضاءات أخرى غير التي يعيش فيها معظمنا، هذه الفضاءات قد تكون أسطورية أو صوفية أو تخيلية أو افتراضية أو أي نوع آخر من الفضاءات تستطيع المخيلة المتمردة أن تدرك فيها بعض هذه الصلات وهي في حالة هلامية قبل أن يتكون لها تركيب وبنية واضحة.

فمخيلة الشخص المبدع في مجال الآداب والفنون والإنسانيات عامة تطل على غابة فيها شتى الرموز تتزاحم فيها الألوان وتكتض بها إرهاصات التعرف إلى بعض من التشابكات بين الجماليات والوجدانيات التي يسعى فيها المبدع لتحويل وعيه الذاتي إلى وعي كوني، في حين تزخر مخيلة المبدع في المجال العلمي بأفكار وصيغ رياضية وهياكل تجريدية تسهم في تعزيز قدرته على رسم الصور والتراكيب غير المألوفة.

ظاهرة «الإبداع» التي تصنع التقدم لم تعد أهميتها تقتصر على المحافل العلمية الأكاديمية والفنية والأدبية فحسب بل أصبحت موضوعاً أساسياً في عالم الاقتصاد ورجال المال والأعمال مع زيادة التنافس على الاستحواذ على الأسواق، فهذه الظاهرة تجعل عطاء القلة القليلة جداً ذا مردود كبير جداً على مستوى واسع جداً.

 أدرك الأقدمون أهمية التفكير الإبداعي وتعرفوا بشكل عام إلى بعض خصائص «الشخص المبدع»، فحين يتأمل الفيلسوف الصيني «لاو تزو» قبل ما يقرب من ألفي عام، الإنسان المبدع مسافراً أو فناناً أو عالماً، بلغة الشعر يضع وزناً كبيراً لأهمية التلقائية والتحرر من قيود النظام ومرجعياته فيقول:

ليس للمسافر الجيد خطة ثابتة،

وليس لديه حماسة للوصول،

يترك الفنان الجيد إحساساته،

تقوده أينما تشاء،

ويحرر العالم الجيد نفسه،

من المفاهيم والنظريات،

ويترك عقله مفتوحاً.

 

طباعة Email