التاريخ وصراع الجثث

ت + ت - الحجم الطبيعي

يجمع فلاسفة التاريخ على أطروحة مفادها أن التاريخ سيرورة إلى الأمام، ويضيف بعضهم إنه سيروة تقدم. لن ندخل في نقاش حول مفهوم التقدم الذي تنفيه المدرسة البنيوية وتؤكده المدرسة التاريخانية، ولكن الثابت أن التاريخ يشهد تحولات وتغيرات عاصفة مهما مر بحالات تراجع ونكوص.

وقائل يقول إن التحولات التاريخية تصدق على تاريخ العلم وتاريخ التقنية، ولا تصدق على تاريخ الأفكار والمعتقدات والمجتمعات، فالبشرية مازالت هي هي في اعتقاداتها منذ آلاف السنين، غير أن قولاً كهذا، على الرغم ما به من صحة نسبية، ليس دليلاً على عدم حدوث التغيرات العاصفة في الوعي على مستوى الكوكب. مع وجود تفاوت في درجة الوعي المطابق للثورات العلمية بين هذه الأمة أو تلك. فانتشار المعرفة وجعلها في متناول اليد، بسبب عالم النت، قد غير في جوهر الوعي الإنساني.

غير أن التاريخ يمر في بعض الأحايين في ما نسميه الركود التاريخي. والركود التاريخي نوع من الثبات المجتمعي بسبب غياب أو تغييب قوى اجتماعية محركة للتاريخ، بحيث يسود نوع من الاستنقاع الذي يخلق مع الأيام ما أسميه جثثاً مجتمعية. والجثث هذه بفعل الركود التاريخ قوى عمياء مؤلفة من قوى كانت مسيطرة وقامعة للسيرورة التاريخية ومحتكرة للقوة المادية، وقوى نكوصية ليس لديها وعي بالتجاوز الأرقى، وسرعان ما تتحول هاتان القوتان في حال تفسخ التاريخ الراكد إلى جثتين متصارعتين متشابهتين غير متناقضتين.

يتميز صراع الجثث هذا بحالة عنفية مطلقة لا يؤدي ولن يؤدي إلا إلى عملية دفن الواحدة للأخرى، وإذا ما طال أمد عملية الدفن المتبادل، دون بروز قوة حية جديدة بفعل فكرة الخلاص الإنساني، تطرح البديل الأرقى وتعمل على تحقيقه فإن الدمار الشامل سيعم البلاد والعباد. صحيح أن التاريخ الراكد يعقد من عملية ظهور الوليد على نحو كامل غير أن المجتمع ورغبة البشر في التحرر من الجثث التي تحول بين حريته وكرامته وسعادته سرعان ما يخلق البديل الخلاصي الواعد.

لكن البديل الأرقى، إن ظهر، وهو يظهر في الغالب كقوة خلاصية، قد يجد نفسه أمام مشكلة صعبة ألا وهي أنه على الرغم من الصراع الدامي بين الجثث فإن الجثث بدورها تقوم في مواجهة البديل الحي والمولود التاريخي الجديد، لأنه يشكل النقيض الحقيقي للتاريخ الجثة،

بل تكون الجثث هذه أكثر حقداً ودموية ضد البديل من حقدها ودمويتها على بعضها بعضاً.

وهكذا نكون أمام نوعين من الصراع: صراع الجثث غير المثمر، لأنه صراع المتشابهين، وصراع مثمر وهو الصراع بين الجثث من جهة وبين القوى الخلاصية الجديدة من جهة أخرى، وهو الصراع المثمر لأنه صراع بين المتناقضين.

تخلف الجثث المتصارعة وراءها بعد هزيمتها كارثة وجودية من دمار الحياة، قتل وتهديم وثارات وأحقاد، هيهات أن يتجاوزها الزمن أو يكون قادراً على محوها، بل إن عملية إعادة الحياة إلى التاريخ تتطلب جهداً هائلاً وطاقات تفوق قدرة البشر العاديين.

ولعمري إن هذه الصورة التي رسمناها لصراع الجثث فيما بينها تنطبق أكثر ما تنطبق على الصراع بين البنية المحتضرة للسلطة في سوريا والعراق وداعش وما شابه ذلك. فلا نعتقد أن الدمار الذي حلّ في هذه البلاد مسبوق في تاريخيهما، بل إن التتار والمغول مزحة تاريخية أمام ما جرى ويجري في هذين البلدين.

ومن هنا تبرز أهمية وعي الوليد المتجاوز لخطر الصراع بين الجثث، ولخطر القوة العمياء للجثة قبل دفنها.

طباعة Email