00
إكسبو 2020 دبي اليوم

اللمسة المفقودة

ت + ت - الحجم الطبيعي

«دكتور أريد فحوصاً شاملة!».. جملة أصبحت أشهر من نار على علم، وبسببها أصبح الكثير منا ينافس ابن بطوطة في رحلاته حول العالم، لفك أسرار جسمه ومحاولة معرفة الأخطار المحدقة به.

لنقف قليلاً ونسأل أنفسنا: «ما المقصود بالشاملة؟». في عالم الطب ينظر الطبيب إلى جسم الإنسان من زاوية مختلفة تماماً، ويحاول في كل مناسبة ربط الأعراض والشكاوى ببعضها، لإيجاد التفسير العلمي المناسب. من هذا المنطلق هناك الفحوص الخارجية والداخلية.

في الفحوص الخارجية يتم قياس الوزن والطول. فحص بسيط وغير مكلف، لكنه مهم جداً في معرفة مؤشر مهم، وهو «مؤشر كتلة الجسم (BMI)». هذا المؤشر يساعد على معرفة ذوي الوزن الزائد وأصحاب السمنة. وهنا أشيد بمبادرة «أطفالنا أصحاء 2021» التي أطلقها البرنامج الوطني للاتصال الحكومي. مبادرة إن حافظت على استدامتها ستساعد على التقليل من أشد الأمراض فتكاً بجيل المستقبل.

فحص آخر خارجي مهم، هو قياس ضغط الدم. رقم آخر مهم جداً في قائمة الفحوص الشاملة. فالضغط العالي مثل السيل الجارف يحطم كل ما في طريقه، فمن جهة تتحطم شرايين العين، ومن جهة أخرى تتزلزل الكلية وتتوقف عن العمل.

أما الفحوص الداخلية فهي تشمل عينات الدم من الكوليسترول والسكر والفيتامينات، والهدف الأساس منها هو قياس الكفاءة الوظيفية لأعضاء الجسم المختلفة ووقايتها من التلف والفشل، إضافة إلى ذلك هناك فحوص المناظير، مثل منظار القولون، وخصوصاً للذين وصلوا إلى سن الخمسين. ففي سرطان القولون تكون البداية بحدوث بروزات في قاع القولون، لا يمكن فحصها بالدم.

وأخيراً وليس آخراً، تأتي الفحوص الإشعاعية، سواء الأشعة العادية أو المقطعية (CT) أو المغناطيسية (MRI). ومنذ اكتشاف هذه التقنيات استطاع الأطباء التقاط الكثير من الأمراض في مراحلها الأولية. هنا ألفت الانتباه إلى فحص أشعة الثدي أو «الماموغرام» الذي ساعد الكثير من النساء على اكتشاف سرطان الثدي في مراحله الأولية، ووقايتهم من هذا المرض الخبيث!! ولا ننسى فحوص عنق الرحم الدورية التي لها الدور الأساس في الوقاية من سرطان عنق الرحم.

فحوص كثيرة وأجهزة عديدة ساعدت على الكشف والوقاية من أمراض عديدة، لكن ماذا عن الوقاية النفسية؟ ماذا عن حديث الطبيب مع المريض وتطمينه وإرشاده إلى طرائق الوقاية؟ ماذا عن اللمسة الإنسانية في التعامل؟

أصبحت علاقة الطبيب بالمريض جافة وروتينية. يدخل المريض على الطبيب، وقبل أن ينطق بأي حرف يطلب الطبيب منه التوجه إلى المختبر لعمل فحص دم وأشعة. مريض آخر يدخل للطبيب بتقرير الأشعة المغناطيسية، فينهمك الطبيب في النظر إلى التقرير، ويطمئن المريض من دون عناء فحص مكان الألم.

انقلبت المعادلة وغابت مهارة الطبيب ولمسته الإنسانية، وبها افتقد المريض الراحة والأمان. فبعض الأطباء بمجرد رؤيته بطاقة تأمين المريض، يسيل لعابه ويطلب الفحص تلو الآخر، ولا يعطي للمريض المجال للسؤال أو النقاش كأنه إله منزل!!

هل الطبيب فقد أخلاقيات المهنة أم أن نظام المستشفيات في زيادة حوافز الأطباء بزيادة طلب الفحوص هو السبب؟ الحل يكمن في الحوار ثم الحوار ثم الاتفاق.. فهو السبيل للوصول إلى أرضية مشتركة من التفاهم، قد يقول قائل: الطبيب أدرى بالفحص والعلاج، صحيح لكن المريض أدرى بجسمه ومعاناته.

 وهنا أوجه رسالة إلى زملائي الأطباء بأن يعطوا المجال للمريض بالبوح بما في داخله ومشاركته في الخطة العلاجية. طبعاً يجب على المريض أيضاً التسلح بالثقافة الصحية قدر الإمكان، وعدم التردد في سؤال الطبيب، لكن في إطار من الاحترام المتبادل.

إذاً الهدف من زيارة الطبيب لعمل الفحوص الشاملة يجب أن لا يقتصر فقط على الفحص نفسه، بل على تكوين علاقة بلمسة إنسانية، حينها سترجع المهارة إلى الطبيب والراحة للمريض!!

 

*استشاري طب الأسرة والصحة المهنية

طباعة Email