محنة روائي زار إسرائيل

ت + ت - الحجم الطبيعي

هل ما زلتم تذكرونه؟ بعد أن خرج من النسيان محاولاً أن يجد لنفسه مكاناً في صفحات زماننا وليته ما فعل. الروائي الألباني إسماعيل كاداريه. الذي زار القدس المحتلة أخيراً. وحصل على جائزة من العدو الإسرائيلي وعاد لباريس سعيداً بأن الجائزة الصهيونية ستكون مقدمة لتحقيق حلم عمره بالحصول على جائزة نوبل في الآداب التي ظل مرشحاً لها لسنوات ولم يحصل عليها.

لي حكاية شخصية مع قراءته. أرويها قبل الوصول لمحنته أو مأساته الأخيرة التي لن تكون الأخيرة. في منتصف ثمانينيات القرن الماضي جاء إلى القاهرة سفير لألبانيا يجيد اللغة العربية. وكان له اهتمام بالأدب.

دعاني مع الصديق مجدي نصيف لبيته بشارع إسماعيل محمد الزمالك. عرفنا الهدف من اللقاء. فالرجل يريد التوصل لمترجمين ليترجموا أدب روائي ألباني مهم. قال يومها إن ألبانيا تهتم به لأن الزعيم أنور خوجا له اهتمام بنتاجه الروائي ويتصور أن رواياته يمكن أن تصل للعالمية.

قال السفير كلامه وأنا أحاول الخروج من دهشتي بعد كلامه الأول الذي تناول فيه محمد علي. هاجمنا الرجل لأننا نعتبر محمد علي من بناة مصر الحديثة. وقال لنا قبل أن يستمع لردودنا عليه إنه ينظر لمحمد علي باعتباره استعمارياً احتل مصر. وأن ما نتحدث عنه كنهضة أنشأها محمد علي في مصر أن الهدف منها كان تأسيس إمبراطورية تتوارثها أسرته. قلنا له ولكن الشعب المصري استفاد من مشروع محمد علي حتى لو كان الهدف منه تأسيس إمبراطورية علوية. قال إن هذه الاستفادة تمت بالصدفة. ولم تكن ضمن مشروع نهضوي لا لمصر ولا للوطن العربي ولا الأمة الإسلامية.

ألبانيا في ظل أنور خوجا كانت دولة شيوعية متطرفة. وكان المعسكر الشيوعي يدعمها باعتبارها تمثل منطقة متقدمة له تطل على أوروبا. وكان السفير يتحدث عن محمد علي باعتبار أن قريته قوله كانت ألبانية. وأن محمد علي ألباني. وأن كتب التاريخ ارتكبت جريمة عندما حاول نسبة قوله مرة لتركيا وأخرى لليونان.

أعود لموضوعي. كان الكلام عن نتاج إسماعيل كاداريه. المكتوب بالألبانية. وسيكون من المستحيل العثور على من يترجمون. قال الرجل إن إسماعيل كاداريه مترجم إلى لغات العالم. وأن الترجمة يمكن أن تتم عن الإنجليزية أو الفرنسية أو الروسية. فلا توجد لغة من لغات العالم لم يترجم إليها هذا الروائي الفذ.

لم يعرف مشروع السفير طريقه للنور. وترجم إسماعيل كاداريه إلى العربية ولكن في دمشق وبيروت. قرأنا له: جنرال الجيش الميت. مترجمة في سوريا. وطالعنا روايته: نيسان مقصوف. مترجمة في بيروت. وترجمت باقي إبداعاته في عواصم عربية كثيرة ولم يترجم له في مصر سوى رواية وحيدة هي: العرس. التي صدرت عن هيئة الكتاب.

انقلبت الأحوال وتبدلت الأمور. وانتهى الحكم الشيوعي لألبانيا. وهاجر إسماعيل كاداريه إلى باريس وبدأ يهاجم الحكم الشيوعي لبلاده. ويصور نفسه في الغرب على أنه مهاجر من ضحايا الاضطهاد في بلده. بل إنه بدأ يكتب رواياته بالفرنسية. وبدأ يصف نفسه بأنه من أصول إسلامية. علماً أنه قبل ذلك كان يكتب ويتحدث ويتصرف باعتباره مسلماً من المسلمين الألبان. أخيراً سافر إسماعيل كاداريه إلى إسرائيل التي تعود التردد عليها. وكما كتب محمد الأرناؤوط وعبده وازن في الحياة أخيراً. أنه في حفلة افتتاح معرض أورشاليم الدولي للكتاب في القدس الغربية تسلم كاداريه جائزة القدس الدولية. أو أورشاليم كما يسمونها. وأعلن عن فوزه بهذه الجائزة في 14 يناير الماضي. وتم نشر حيثيات لجنة التحكيم التي قالت:

جائزة إسرائيل تمنح منذ سنة 1963. وتسمى جائزة أورشاليم لحرية الفرد في المجتمع بمعرض الكتاب الدولي الذي يقام في القدس الغربية كل سنتين. .عندما سئل في رحلته الأخيرة لإسرائيل من صحافي إسرائيلي عن الحرية الغائبة التي لا ينعم بها الفلسطينيون. أجاب فوراً أنا أكتب أدباً فقط. مع أن كل نتاجه الأدبي حتى الروايات منه مفعم ومليء بالسياسة. أخطر ما قاله كاداريه إن إسرائيل وألبانيا تناضلان من أجل البقاء في وسط محيط كريه.

 

طباعة Email