أيام قليلة ونستقبل شهر مارس، ليس في ذلك جديد أو ما يثير الحيرة، فتلك مسألة فصلية وجغرافية وفلكية تتكرر منذ عشرات القرون، ولكن مارس 2015 فضلاً عن أنه مفعم بالمشاعر الإنسانية ومحمل بنسمات الربيع وأعياد الأسرة، إلا أنه يجيء مثقلاً بمناسبات سياسية وأمنية قد تكون فارقة في مصير هذه الأمة وربما العالم، بعض هذه المناسبات يرتبط بظروف إقليمية دقيقة وبعضها الآخر يرتبط بأوضاع عالمية من المرجح أن ترسم ملامح جديدة للأوضاع الدولية، بحيث يمكن القول إن عالم ما بعد مارس 2015 يختلف عما قبله.

وما يجعل لهذا الحديث أهمية خاصة أن أحداثه تمثل بالفعل عنق زجاجة في غاية الحساسية، فإما الانطلاق نحو عالم جديد أكثر أمناً واستقراراً ورخاءً، وإما الغرق في مزيد من التردي والفوضى والأزمات على مختلف أشكالها.

ويكتسب هذا الظرف المفصلي أهمية أخرى على ضوء الحروب الأهلية والأوضاع الأمنية المتوترة في منطقتنا العربية إلى حد التهديد بانفجارات جديدة قد يصعب احتواؤها إذا لم ينتصر صوت العقل وضمير الحكمة، ويمكن الحديث في هذا السياق عن «مارس القُطري» و«مارس الإقليمي» و«مارس الدولي»، وكل منها له انعكاساته على الآخر.

على الصعيد القُطري تشهد الدولة المصرية شهراً هو بالفعل من الشهور المصيرية في مرحلة ما بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، فخلاله تمر مصر بثلاثة أحداث حاسمة قد تساعد بالفعل على دخول الدولة المصرية مرحلة من الاستقرار السياسي والاقتصادي والتشريعي، ومن ثم الأمني بغض النظر عن بعض المنغصات التي قد تعيشها البلاد من جراء التدخلات الخارجية أو الأوضاع الأمنية المتردية في محيطها الإقليمي.

وأغلب الظن أن الدولة المصرية تعي جيداً أهمية وخطورة هذه المناسبات، ليس فقط لأنها ستساعد على استقرارها داخلياً، ولكن لأنها ستمثل بالفعل عودة قوية للدولة على الصعيد الإقليمي، واندماجاً أكثر واعترافاً صريحاً من جانب المجتمع الدولي، الحديث هنا عن المؤتمر الاقتصادي الدولي الذي سينظم في مدينة شرم الشيخ بمشاركة حكومات وهيئات ومؤسسات وشركات ورجال أعمال من جميع أنحاء العالم، بهدف التوصل لخارطة طريق اقتصادية إقليمية ودولية تساعد على إنعاش الاقتصاد المصري.

وعلى صعيد العمل الإقليمي المشترك تستضيف مصر القمة العربية الدورية في ظروف إقليمية غاية في الخطورة، حيث منظومة الأمن القومي العربي وقد اقتربت من الترنح التام وباتت بحاجة إلى أفكار متطورة لضخ دماء جديدة في شرايين الأمة العربية..

وهذا هدف بالقطع لا تتحمل مسؤوليته مصر وحدها، ولكنه مسؤولية العمل العربي المشترك. ولكن ما يهم الدولة المصرية ذاتها هو انعقاد القمة العربية في موعدها بأقوى تمثيل ممكن، وبقرارات يمكن اعتبارها بالفعل مرحلة جديدة من العمل العربي الفعال، خاصة وأن تلك أول قمة عربية تعقد في مصر بعد فوز المشير عبدالفتاح السيسي بالرئاسة في يونيو الماضي، ولا شك في أن نجاح القمة سيضيف إليها الشيء الكثير.

ويبقى الحدث الثالث الذي لا يقل أهمية عن الحدثين السابقين وسوف يستقطب بالتأكيد اهتماماً عالمياً من نوع خاص، لارتباطه باستكمال خارطة الطريق المصرية وهو الانتخابات البرلمانية التي طال انتظارها، والتي ستؤدي إلى استكمال مؤسسات الدولة.

وبقدر أهميتها بالتأكيد لن تكون سهلة لطبيعة المشهد الراهن المفعم بالتعقيدات وعدم الوضوح، في ما يتعلق بالتحالفات السياسية والحزبية والمخاوف الكبيرة من عودة أنصار الحزب الوطني والتيارات الدينية في تكرار لمشهد الانتخابات الرئاسية منتصف عام 2012 بينما ذابت القوى الشبابية والثورية ذوبان السكر في مياه مفتوحة.

ويصعب على أي محلل أن يتكهن بشكل البرلمان المصري الأول في عهد السيسي، ولكنه على أي حال سيعكس حراكاً جديداً يؤكد قدرة الدولة على إنجاز استحقاقاتها. وبالنسبة لـ«مارس الإقليمي»، وليس ببعيد عن الحدود والانتخابات المصرية، تجري انتخابات أخرى لا تقل أهمية لارتباطها بشكل جوهري بقضية العرب المحورية وهي القضية الفلسطينية.

 المقصود هنا الانتخابات «الإسرائيلية» التي يراهن من خلالها رئيس الوزراء الليكودي بنيامين نتانياهو على مستقبله السياسي، ويأمل في عودته إلى قمة السلطة برغم المؤشرات التي رجحت عدم حصوله على الأغلبية المطلوبة.

وارتباطاً بهذا التطور المثير يطرح «مارس الرهيب» نفسه على الساحة الدولية في واحدة من أعقد القضايا التي شغلت العالم في السنوات العشر الأخيرة وهي المسألة النووية والمفاوضات الجارية بين طهران ومجموعة 5 1، حيث تسابق الأطراف المعنية الزمن للتوصل إلى اتفاق إطاري تمهيدي بشأن مواصفات البرنامج الإيراني حتى يمكن صياغة اتفاق شامل ونهائي ملزم لكل الأطراف بمقدم يونيو المقبل.