تتعدد الوظائف المنوطة بوسائل الإعلام ما بين الإخبار، والتعليم، والتوجيه، وترسيخ القيم، والحفاظ على الناموس العام للمجتمع وما توافق عليه الناس وأجمعوا أمرهم على الالتزام به حتى بات الخارج عنه خارج عن الإطار العام. ولأن الإعلان جزء من الإعلام وأحد أشكاله فإنه غير مستثنى من تلك القاعدة التي تلزمه القيام برسالته الترويجية أو البيعية في إطار سياج من الأخلاق، ولا ينبغي أن تكون قاعدة السعي إلى مزيد من البيع كفيلة بتبرير المضمون حتى لو تحقق الهدف منه في لفت انتباه المشاهد.
والحق أنه من المستغرب أن بعض الرسائل الإعلانية يضيق أفق مصمميها للدرجة التي تضر بالصورة الذهنية للسلعة وتحد من قطاع المستهلكين لها، فعندما يتم في معظم إعلانات مشروبات الطاقة الربط بينها وبين الإيحاءات الجنسية، في حين أن مجال استخدامها يتسع لأكثر من ذلك، فلاشك أن ذلك يرسخ صورة نمطية للسلعة تجعل البعض يحجم عن تناولها لدلالتها عند الآخرين، وفي هذه الحالة فقدت السلعة قطاعاً كبيراً من المستهلكين لها لغير الهدف الذي تتم الإشارة إليه تلميحاً أو تصريحاً، على الرغم من أنه يمكن تقديمها باعتبارها تجعل الفرد يستطيع بمساعدتها أن يعمل لساعات طويلة، وأنه قادر على الإنجاز بنفس التركيز دون إحساس بالوهن، الأمر الذي يجعله يتميز عن زملائه، ويرتقي في السلم الوظيفي.. وهكذا.

كذلك الحال حين يتم الربط بين العطور وبين النتيجة الحتمية، وهي شد انتباه الجنس الآخر، سواء الرجال أو النساء، وكأنه الاستخدام الأوحد للعطر، وهو ما يسفه من قيمة الرجل أو المرأة حين يكون انجذابها لشخص ما ناتج عن عطر، وكأن حاسة الشم هي التي تقودهما وتحكم قراراتهما في المفاضلة بين الناس. وليت الأمر توقف عند ذلك الحد، فقد عرض إعلان لمزيل عرق تخطى حدود المسموح حين تهافتت فتيات لهن أجنحة من السماء، في دلالة رمزية واضحة منجذبات إلى رجل، ثم قمن بخلع تاج الوقار وكسره رغبة منهن أن يكن من جنس بنات الأرض، وهو ما يصطدم مع قضايا عقدية لا يجب المتاجرة أو الزج بها في مثل هذا المشهد، كما أنه لا ينبغي التعامل مع ثوابتنا بمنطق السوق، وهو ما دفع الجهات المعنية بوقف هذا الإعلان.
وبعيداً عن الدور الفعال للإعلان في الترويج للسلع، فإن الإبهار الشديد والإنتاج الضخم الذي يتم به المضمون الإعلاني، ومشاركة النجوم الذين يحظون بشعبية بين الجماهير في الإعلان، والذين قد يكونون في الحقيقة غير مستخدمين للسلعة ذاتها، وهو نوع من التدليس والخداع.
كما أن المبالغة في استغلال المرأة كوسيلة للترويج للسلع في الإعلانات هو حط من شأنها والنيل من دورها الذي تقوم به في المجتمع، ويخالف واقع المرأة، وبخاصة في مجتمعاتنا وما تحظى به من احترام وتقدير، عز أن تناله في غيره، وهذا لا يعني عدم مشاركتها إذا كانت طبيعة السلعة تحتاج إلى أن تقدمها امرأة.
وإذا كان الإعلان يعمل على صناعة حاجة والعمل على إشباعها وما يترتب عليه من إشعار الفرد بالتوتر إلى أن يقوم باقتناء السلعة المعلن عنها، ثم يسعى للحصول على غيرها، وهكذا دواليك، غير أن ما يعنيني هنا هو إعطاء الإعلان الأمل الكاذب للمشاهدين حين يستغل أوجاعهم ويدغدغ مشاعرهم دون وازع مهني أو أخلاقي، وبخاصة حين يكون الإعلان عن مستحضرات أو أعشاب تخلص مرضى السرطان أو الكبد من آلامهم، أو تلك المستحضرات الخاصة بالتنحيف والرشاقة والتي ما تلبث أن تتضح خطورتها بعد أن يذهب ضحيتها المئات، كما أن استخدام مفردات معينة، مثل العلاج السحري، أو قاهر الدهون، هو نوع من الخداع والتضليل، كما أن دعوة إعلانات المسابقات الأفراد إلى الاتصال بأرقام يصل سعرها إلى أضعاف سعر المكالمات العادية هو نوع آخر من الخداع الذي ينافي أخلاقيات العمل الإعلامي.
وفي عصر العولمة وما حمله من تجاوز الرسالة الإعلانية الحدود الإعلامية بين الدول، في ظل وجود منتجات وسلع متعدية الجنسيات، وظهور ما يسمى بالإعلان الدولي، الذي قد يناسب مضمونه مجتمعاً ولا يناسب آخر، الأمر الذي جعل العديد من المجتمعات تبحث عن حلول لمواجهته بأساليب مختلفة، فبعض الحكومات تتجه إلى منع استخدام الإعلانات الأجنبية المستوردة مباشرة، مثل أستراليا، حيث يتم إعادة إنتاجها أو تصديرها محلياً لكي لا تتغلب القيم الحضارية الأجنبية على المحلية، وفي بلجيكا يحظر بث الإعلانات التليفزيونية أثناء برامج الأطفال وقبلها وبعدها بخمس دقائق.
الأصل أن الدور الحقيقي للإعلان هو مساعدة الفرد على الطريقة المثلى للإنفاق من خلال التعريف بأنواع السلع ومواصفاتها وأماكن بيعها، فضلاً عن تنمية نمط أفضل للحياة في المجتمع من خلال تنمية أنماط استهلاكية إيجابية تراعي متطلبات الصحة العامة والمحافظة على البيئة والمعايير الاقتصادية في الإنفاق الاستهلاكي، غير أن المبالغة في الإعلان تدفع الأفراد إلى اقتناء مالا يحتاج إليه أو اتباع نوع من الاستهلاك الترفي الذي قد يدفع أصحابه إلى الاستدانة حتى يشبع رغبة غير حقيقية صنعت بفعل فاعل وبضغط من رسالة إعلانية.