رفضت الانصياع لمحاولة إحدى الصحف أن تجرنا جراً إلى ذرف الدموع بنشرها في الصفحة الأولى، وتحت عنوان أكبر خط ممكن: «صور الواحد والعشرين قبطياً الذين قامت داعش بإعدامهم في ليبيا». لقد رفضت أن أنظر إلى الصور، وقلبت الصفحة بسرعة، وإن كنت قد لمحت رغماً عني صورة صبي صغير من بين الضحايا، قد لا يتجاوز سنه الخمسة عشر عاماً.

الصحيفة تظن أنها بذلك تزيد من توزيعها، إذ إن الناس يستعذبون أحياناً تعريض أنفسهم للألم، ولكن، ألا تفعل ذلك سائر الصحف وسائر وسائل الإعلام طوال الوقت؟ أن تستدر منا الدموع، وتزيد من آلامنا في سبيل بيع المزيد من النسخ؟

لقد توصلت منذ أن سمعت عن داعش لأول مرة، ودون أي تردد، أنها ليست صناعة محلية، بل أجنبية، وإن لم أستطع حتى الآن أن أحدد بالضبط ما هي بالضبط الأيدي الأجنبية التي صنعتها. ولم أعد أبالي للحظة واحدة بمن يسمي هذه الفكرة ساخراً «نظرية المؤامرة»، إذ إن ما يقدمونه من تفسير كبديل لهذه الفكرة، سخيف جداً وغير مقبول عقلاً.

طبعاً، لا بد أن يكون من بين من يحارب في صفوف داعش بعض الشباب، من العرب أو المسلمين، الذين دفعتهم ظروفهم الخاصة إلى الانضمام إلى مثل هذه الجماعة، ولو للحصول على مقابل مادي يقتاتون به، بدلاً الموت جوعاً في بلادهم، بل وأنا على استعداد أن أصدق أن تلك الفتاة الأوروبية أو الأميركية الجميلة التي نشرت صورها مقترنة بخبر انضمامها إلى داعش، ثم انسحابها منها، قد فعلت هذا حقاً مدفوعة أيضاً بظروف خاصة أخرى، لا أعرفها، ويصعب تكرارها.

(إذ في ظل هذه الحالة الجنونية التي تسيطر على وسائل الإعلام، لماذا لا تنفعل فتاة كهذه إلى درجة الجنون أيضاً؟)، ولكن الذي يستحيل علىّ تصديقه أن فكرة داعش نشأت في الأصل بسبب الحماسة الدينية، أو الرغبة في إعادة مجد الإسلام، وأنها تنتشر من بلد عربي إلى بلد عربي آخر مدفوعة بهدف إقامة الخلافة الإسلامية، وأن فكرة قتل الأكراد أو المسيحيين أو سبي النساء في العراق، أو قتل الأقباط في ليبيا، مصدرها الاقتناع بأن هذه الأعمال تساعد على إقامة الحكم الإسلامي في النهاية.

فكرتي بسيطة جداً: الإسلام لا يستفيد قد أنملة من هذه الأعمال، ولكن هناك أطرافاً كثيرة أخرى غير الإسلام والمسلمين، ممن يمكن أن يحققوا منها فوائد كثيرة. وأنه إن وجد من يعتقد أن هذه الأعمال تفيد الإسلام، فهو مجنون بصورة أو بأخرى، والمجانين، بصفة عامة، قلة. ولكن المستعدين لكسب الرزق عن طريق مثل هذه الأعمال كثيرون وفي كل مكان.

لنفرض جدلاً أن هناك شخصاً لا هو بالمجنون ولا بالمأجور، خطرت له فعلاً فكرة إعادة مجد الإسلام باستخدام السلاح. ألم يسأل نفسه، ما دام ليس مجنوناً ولا مأجوراً، هل ظروف العالم الحالية تسمح له بإقامة شيء كالخلافة الإسلامية، خاصة في بلاد من أكثر بلاد العالم غنى بالبترول، كالعراق وليبيا؟ (أم أن البترول له علاقة بالأمر؟).

وهل ستقف روسيا والولايات المتحدة في سوريا مثلاً، بينما صراع المصالح بينهما في هذه الدولة على أشده؟ (أم أن هذه الدعوة الإسلامية هي من وسائل إحدى هاتين القوتين في صراعها ضد الأخرى؟)، ولماذا يجد هذا الشخص العاقل، وغير المأجور، ميزة خاصة في قتل الأقباط بالذات، وفي ليبيا على وجه التحديد؟ (أم أن المقصود بذلك ليس إقامة الخلافة الإسلامية، لا في ليبيا ولا في غيرها، بل إثارة قلائل في مصر؟)، فإذا كان هذا الشخص غاضباً من الأقباط لأنهم غير مسلمين، رغم أن الأقباط الذين قام بإعدامهم لم يظهروا تمسكاً زائداً بدينهم، ولا أظهروا عداوة لزملائهم المسلمين، فلماذا انصرف هذا الشخص الغيور على الإسلام عن كثيرين غير الأقباط، من غير المسلمين الذين يملؤون بلاد العالم شرقاً وغرباً، ووجه غضبه فقط إلى شبان من أكثر الناس وداعة وانصرافاً عن السياسة؟.

أثناء ورود مثل هذه الخواطر المحزنة على الذهن، يرى المرء ظاهرة محزنة أخرى من جانب أعداء داعش ومهاجميها، وهي الكتابة أو الصياح بأن الإسلام بريء من هذه الأعمال. يقولونها بطرق مختلفة وأساليب متنوعة، حتى لا يمل الناس قراءة أو سماع ما يكتبون ويقولون.

فمن هو بالضبط الذي ظن لحظة واحدة أن الإسلام يدعو إلى قتل الأقباط في ليبيا أو في أي مكان آخر، أو قتل الأكراد في العراق أو قتل الضباط المسلمين في سيناء، دون أن يبدر من أي من هؤلاء أي عمل ضد الإسلام؟ من هو الذي يراد إقناعه بهذه الدفاع عن الإسلام وإزالة الغشاوة عن عينيه؟ ولماذا كان الكتّاب المسلمون منذ نصف قرن أو قرن كامل من الزمان؟، يأنفون من كلام من هذا النوع، أي من الدفاع عن الإسلام على هذا النحو، وبهذه الدرجة من التشنج؟ إن صديقك قد يضرك إذا بالغ في نفي اتهامك بجريمة شنيعة.