يتجه العالم، بحركته الموضوعية، نحو الوصول إلى حدٍ من التشابه قد يؤدي في المستقبل المتوسط أو البعيد نسبياً إلى تقليص حقل الخصوصية الوطنية إلى الحد الذي قد لا يبقي إلا على خصوصية اللغات وبقايا الذهنيات، وخاصة في المناطق الأقرب لروح العصر وقوة اختراقها، وأهمها المنطقة العربية.

فلو تأملنا فن العمارة الذي كان معلماً من معالم الخصوصية الثقافية المحلية سنجده آيلاً إلى التشابه والانتشار، فلو تركنا المدن الجديدة في دول مجلس التعاون الخليجي التي هي مدن حديثة ومعبرة عن روح العمارة العالمية بفنها الحداثوي وما بعد الحداثوي فإن المدن التاريخية الكبرى كدمشق وحلب والقاهرة وبغداد تنقسم إلى حارات وشوارع تراثية لم تعد تشكل إلا جزءاً صغيراً من مساحاتها...

فيما المساحة الأكبر ذات فن عمارة عالمي ونجده في دبي وباريس الجديدة وواشنطن وطوكيو، الخ. فخصوصية العمارة في طريقها إلى الزوال أو قد زالت فعلاً. ولا يختلف الأمر عن عالم القيم السياسية والأخلاقية والمعرفية، فمهما كانت القوى النازعة نحو المحافظة قوية فإنها تشهد ترهلاً أمام اختراق روح العصر بقيمة الكلية للمجتمعات...

وما التناقض بين الحركتين النابذة لروح العصر والجابذة لها إلا مظهر من مظاهر الميل نحو العصرنة وتقلص الخصوصيات القيمية والأخلاقية. وقس على ذلك اتساع تحكم المؤسسات في الحياة الاقتصادية من بنوك وشركات وتداول وأسواق وهذه حالة من الاتساع العالمي يكاد يكون شاملاً، وقد صار حصول أية أزمة في مراكز الاقتصاد العالمي ذا أثر في كل العالم، حسبنا أن نلاحظ الأثر الذي خلقه انخفاض أسعار النفط على الاقتصادات العالمية.

والجامعات في العالم اليوم متشابهة في كل مجالات العلوم بما في ذلك العلوم الإنسانية. ومعظم أعضاء هيئات التدريس في الجامعات العربية مثلاً هم خريجو الجامعات الأوروبية والأميركية والروسية/الاتحاد السوفييتي سابقاً/ ويزيدون طلابهم بمعرفة تزودوها هم من تلك الجامعات.

بل إن المطبخ صار عالمياً بحيث صار بمقدور العربي أن يأكل صنوف الطعام الصيني في بعض مطاعم وطنه والفرنسي يأكل الطعام الشرقي في باريس وهكذا. ناهيك عن عملية تماثل الأزياء الجارية الآن، وكثير من الشعوب صار لديها زيان، زيها الأصلي والزي الأوروبي. ولكن هناك أمور ثلاثة تُبقي على فكرة الخصوصية في العالم، ألا وهي: اللغة، الذهنية، والغايات.

فاللغة من قبيل الظواهر العصية على التغير، وبخاصة تلك اللغات ذات الأثر العالمي كاللغات الحية الآن: العربية والإنجليزية والصينية، فضلاً عن ذلك فإن اللغة بوصفها عاملاً مهماً من عوامل الهوية الوطنية ومخزن إرثها الثقافي، هي التي تحافظ على الخصوصية الوطنية..

وتأكيداً لفكرتي هذه فإن السويد الدولة التي يتحدث أهلها اللغة الإنجليزية بطلاقة، تفرض على اللاجئين إليها تعلم اللغة السويدية بوصفها اللغة الوطنية. وإني لأقترح على دول مجلس التعاون الخليجي أن يخضعوا جميع الوافدين إليها، من غير العرب، لدورة تعليم العربية وتكون شرطاً للعمل. أما الذهنية فأمرها صعب وبطيء التغير، فهي طريقة تفكير متكونة عبر زمن طويل ويدخل في تكوينها الجديد والقديم والإرث الديني والشعبي ..

ولهذا تراها تنوس بين الحداثة والتقليد في آن، فترى الواحد منا مدافعاً عن الحرية من جهة ويمارس القمع من جهة ثانية، يؤمن بتحرر المرأة واستقلالها ويمارس العنف المعنوي عليها، يترأس مؤسسة حديثة بعقل مؤسساتي وبعقل مالك المؤسسة معاً. وهكذا. وهذا ما يفسر الأثر المتناقض للذهنية العربية في الحياة السياسية والأخلاقية والمعرفية.

وتشكل الغايات والأهداف المجتمعية بكل صعدها أهم معالم الخصوصيات في جميع البلدان، فلكل أمة - دولة أو شعب أو مجتمع، غايتها البعيدة المرتبطة بحاجاتها، فليست حاجات العرب بمتشابهة لحاجات الفرنسيين، ولسنا نحتاج إلى تفصيل في ذلك، وليس أدل على ذلك أن الحاجات هي التي وقفت وتقف وراء الربيع العربي.

وحاجات الشباب في الحياة والعمل والرفاه في بلداننا ليست هي ذاتها حاجات الشباب في جنوب أفريقيا، بل إن أحد أهم جوانب ضعف الدول إنما يكمن في التناقض بين حاجات البشر المحكومين وبين عدم قدرة السلطة على تحقيقها أو بعدم الرغبة، أو بانفصال السلطة عن هذه الحاجات والغايات.