تنام عيون الناس وتسهر عيون العشاق الذين فاضت بهم مشاعر الحب والغزل والناس التي تذرف دموعها طلب المغفرة من الخالق، ولكن والدي أطفال التوحد لهم عالم مختلف تماماً فهم يمتزجون بين كل ذلك وذاك فالأحلام تغرقهم في بحار من التفكير وتراكم مشاعر الخوف والحيرة من المستقبل فالأمور تتداخل من حولهم حين يبدأ الطفل بالتصرف بغرابة ..

ولكنهم لا يستطيعون تمييز وجه الاختلاف بين سلوك طفلهم وبين غيره من الأطفال. تمضي الأيام تتبعها الشهور ويخطط الوالدان لطفلهما مستقبلا باهرا مزخرفاً بالإنجازات وأحلام يكون فيها الطفل بطل القصة وصانعا للنجاحات المتتالية.

يبدأ الوالدان بملاحظة أن تصرفات طفلهم تزداد غرابة فهو لا يبتسم ولا يبدي الرغبة في أن يحضن من قبل والديه ولا ينظر في عين محدثه ولا يلعب مع الآخرين كغيره من الأطفال لأنه يفضل الوحدة. فيلاحظ الوالدان ما يبعث القلق في نفسيهما حين يقوم بتحريك رأسه ويديه في حركات متكررة وغريبة.

هنا يبدأ الخوف الحقيقي يغزو قلب الوالدين فيقومان بمراجعة ورؤية أهل الاختصاص في طب الأطفال والأعصاب فيتبين لأحد الأطباء أسباب الاضطراب فيتم تشخيص حالته بأنه مصاب بالتوحد فتتبدد الأحلام وتتحول إلى آلام وصدمة لوجود اضطراب في هذا الطفل. تنزل دموع هذه الأم رغما عنها وهي تردد الكلمات: «يطوقني الحزن ويكبت على صدري من ألم الخبر والذي أشعر بأنه يرفعني إلى السماء السابعة ويهوي بي إلى باطن الأرض هشيمة». وفي خضم الألم يأتي هذا الوجه الملائكي ليردد الكلمات النابعة من لب الفؤاد «أمي .

. لا تبكي .. تعلمين .. أحبك» فتضمه لصدرها لتسقط الأفكار وتذهب الحيرة. هذا شعور كل أم وكل أب يسلكان طريق مختلف تملأه العقبات ولكنه مرصع بكلمات نقية من أطفال تخونهم العبرة ولكن يميزهم الاختلاف. نعم هؤلاء هم أطفال التوحد.

قال تعالى: «وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا» (سورة الطور 52)

ردود أفعال بعض الأسر تختلف عند تلقيهم خبر إصابة أحد أبنائهم بالتوحد، البعض يؤمن بأن إصابة أحد الأبناء بالتوحد هو ابتلاء من الله والبعض الآخر يخفي ابنه ولا يبين صلة القرابة لشعوره بالعار والأشد إيلاماً هو من يزين الواقع ويهمل هذا الطفل الذي يحتاج الاهتمام والرعاية اللازمة فلا يلقي له بالاً ظناً بأنه مختل عقلياً فلا يشعر بمن حوله. حقيقة قد يجهلها البعض أن أطفال التوحد يشعرون بكل ما يدور حولهم هم فقط لا يستطيعون التواصل والتعبير عما يجول في أنفسهم.

الله قدر أن يصاب طفل بالتوحد فهل نعامله وكأنه مخلوق غريب أتى من كوكبٍ آخر ليعيش معنا على كوكب الأرض أم نحاول الدخول إلى عالمه لنستطيع فهمه؟

الطفل المصاب بالتوحد له كيانه الخاص وله مشاعر وأحاسيس قد يفرح يحزن يتألم ويبكي ولكنه لا يستطيع فهم لغة الأصحاء المزخرفة بالتشبيهات المركبة لأنها تنهك قواه الذهنية. المصابون باضطراب التوحد يفهمون بالصور أو عملياً فلا يجدر بك أن تقول عبارة لتصف فيها سرعة مرور الوقت على سبيل المثال بقول:

«يا الله .. الوقت يمر بسرعة البرق». فحين تتردد هذه العبارة على مسامعه يشعر وكأنه يتخبط ساقطاً في حفرة لعدم استيعابه وجه التشابه بين الساعة والبرق فيبتسم ظناً بأنها دعابة لأنه يصعب عليه الربط بينهما.

قد يعاني طفل التوحد من سماع الموسيقى أو الضوضاء بدرجات مرتفعة وصعوبة كبيرة في اللمس أو رؤية الأشكال ويبدو الانزعاج والارتباك واضحاً على تعابير وجهه كلما تعرض إلى تلك المحفزات الحسية. كما أن طفل التوحد لا يحس بوجود مصدر للخطر كالنار ولا يتعرف على المواقف التي قد يتعرض فيها للأذى كلمسه للأشياء الساخنة أو عبوره الشارع أمام السيارات.

لو كان بإمكان الطفل المصاب بالتوحد صف الكلمات بالشكل الصحيح لقال: «افهمني وساعدني لكي أفهمك فأنا لدي مشكلة في الحواس: السمعية والبصرية وحاسة اللمس والشم والتذوق، التي احسها بشكل مختلف عن الأصحاء».

من الضروري أن يتم التَدخُل المُبكر من خلال برنامج علاجي تربوي ويُمكن أن تستثمر ليصبح أقرب إلى الطفل الطبيعي ويتحول من طاقة مُعطلة إلى طاقة فعالة مستقل ومنتج في المجتمع.

إذاً اضطراب التوحد يتطلب تكاتف الجهود لإيصال طفل التوحد إلى اقصى إمكانياته من الأسرة والمجتمع حتى يتمكن من الإبحار في عالمه الخاص ليصل إلى بر الأمان. قد يكون طفل التوحد مختلفاً ولكن لا يعني أنه دون المستوى فالله وهبه نسبة ذكاء مرتفعة تفوق غيره من الأصحاء لتصنع الاختلاف. أوليس الاختلاف جميلاً.