الأسبوع الماضي كان وردياً باحمرار الدم. دموياً بلون الورد. العشاق عبؤوا دم القديس فالنتاين في ورود حمراء تبادلوها في يوم الحب، بل الحزن على القديس. وفي نفس الأسبوع، روت دماء فتاتين وفتى، ثلاثتهم مسلمون، أرض تشابل هيل بولاية نورث كارولينا. قتلهم إرهابي يكره المسلمين. أما فالنتاين فاعدمه إمبراطور يكره الحب.

قصة فالنتاين معروفة، لكن لا بأس من التذكير بها. ففي أواخر القرن الثالث، وفي إحدى المقاطعات الرومانية، كان ثمة راهب شفيف القلب يدعى فالنتاين، يشجع الشباب على الزواج، ما كان يثير غضب الإمبراطور كلوديوس، الذي كان يعتقد أن المتزوجين غير قادرين على أن يكونوا جنوداً أقوياء، فتراهم يتكاسلون ويفضلون البقاء قرب زوجاتهم وأطفالهم..

وبالتالي التقاعس عن الاستبسال في ساحة الحرب، من هنا، قرر منع الزواج في مقاطعته... بينما الراهب فالنتاين كان يزوج بالسر كلما جاءه شاب وفتاة. وعندما علم الإمبراطور كلوديوس بأعمال فالنتاين الزواجية، ألقى القبض عليه.

وتم في يوم 14 (فبراير) عام 270، رجم فالنتاين وقطع رأسه، وكان هذا اليوم هو عشية عطلة الربيع الرومانية المسماة بلوبيركاليا. بعد موته، تم تقديس فالنتين وأدخل في سجل المسيحية باسم القديس فالنتاين. ومنذ ذاك اليوم، اعتبر 14 فبراير عيداً للحب، ليس في المقاطعة الرومانية ولا في جاراتها، بل في كل الكون. والاحتفال بسيط ببساطة كاهن، وردة حمراء بوردة حمراء، ربما قبلة، وأمنيات بالحب.. الحب لا الحرب.

أما قصة الأردنية يُسر أبو صالحة وزوجها الطبيب الشاب ضياء بركات، وهو فلسطيني سوري، وشقيقتها رزان، وكلتاهما تدرسان في مدينة تشابيل هيل بولاية نورث كارولينا بالولايات المتحدة الأميركية، فإنها تدمي القلب، أي قلب عربي ومسلم. فقد قتلهم جميعاً وحش عنصري بسبب شكلهم العربي ودينهم الإسلام.

كان يسكن في نفس البناية ويتحرش بهم بين فترة وأخرى، معلناً أنه يكرههم لأنهم عرب مسلمون. ويوم الجريمة اقتحم المنزل وأجبرهم على الاستلقاء وجوههم إلى الأرض، وأطلق على رؤوسهم النار من الخلف.

وكالعادة، تعامت وسائل الإعلام الأميركية عن الجريمة، وتعاملت معها باعتبارها خلافاً على موقف سيارة(!)، ولم تصف القاتل كريج ستيفن هيكس (45 سنة) بالإرهابي، فالإرهابي في العرف الغربي والأميركي هو المسلم فقط!!

ويبدو أن لكل ورد أحمر حكاية دم، ففي الأسطورة اليونانية أن فينوس، إلهة الجمال، أحبت أدونيس وهامت به، ما سبب غضباً في نفس كبير الآلهة زيوس، فقرر أن ينتقم من معشوق فينوس الشامي، فتمثل له على هيئة خنزير بنابين كبيرتين وقتله، ليختلط دمهُ بالأرض..

وهكذا، فإن الأنهار كانت تحمر نهاية كل شتاء، وكأنها امتزجت بدم العاشق أدونيس، ثم ينبت زهر شقائق النعمان، وتعرف علمياً باسم الشُقار الإكليلي (Anemone coronaria)، تعبيراً عن اختلاط الحب بالموت، وذكرى له وإحياءً لحب مات قتلاً.

ولشقائق النعمان، هذه الزهرة الحمراء القانية، التي يتوسطها تويج أسود أيضاً حكاية عربية، فعندما توجه النعمان بين المنذر بن ماء السماء، ملك الحيرة، إلى صوب الكوفة، رأى رملاً ينبتُ زهراً جميلاً، فاستحسنهُ وأحبهُ، فقال لجنوده: احموه، فسُمي الزهر من يومها (شقائق النعمان)، ويُقال أيضاً إن النعمان من أسماء الدم في بعض لهجات العرب، والشقائق قطعة، فتصبح شقائق النعمان تعني قطع الدم.

كان ذلك في الزمن العربي الإسلامي الجميل، حين كانت حضارة العرب تضيء عصر الظلمات الأوروبي الموغل في الجهل والقتل وارتداء جلود الحيوانات. زمن الحروب على الأرض والوحشية البني آدمية و.. الدم في الطرقات.

ومن هذه الحروب، حرب الوردتين التي دارت معاركها على مدار ثلاثة عقود (1455م-1485 م)، حول الأحق بكرسي العرش في إنجلترا، بين أنصار كل من عائلة لانكاستر، وعائلة يورك المنتميتين إلى عائلة بلانتاجانت، بسبب نسبهما إلى الملك إدوارد الثالث..

وقد كان شعارهما الوردتين المختلفتين في اللون (الأبيض والأحمر)، فكان أول من أطلق على هذه الحرب مسمى «حرب الوردتين» ويليام شكسبير في مسرحيته الشهيرة هنري السادس، وبسبب ذلك، سُميت بحرب الوردتين...

حيث كانت الوردة الحمراء شعار أسرة لانكاستر، والوردة البيضاء شعار أسرة يورك. كانت نتيجة هذه الحرب الأهلية بين الطرفين المنتميين لعائلة بلانتاجانت، بفوز هنري تيودور من أسرة لانكاستر، على آخر خصومه من أسرة يورك، وهو الملك ريتشارد الثالث، وزواجه من الأميرة إليزابيث ابنة الملك إدوارد الرابع، لوضع نهاية لحرب الوردتين. يُذكر أن أسرة تيودور حكمت إنجلترا وويلز لمدة 118 سنة (1485-1603).

ما أشبه يوم العرب بماضي الأوروبيين، وما أبعد العرب عن حالهم يوم كانوا هم الحضاريون، فأصبح منهم المتوحشون الداعشيون الذين يدّعون الإسلام، فيجزون أعناق البشر كما الخراف، ويحرقون جسد الإنسان الذي «خلقناه في أحسن تقويم». كما أصبح منهم من يحرق بلده من أجل كرسي لم يدم لأحد من قبل ومن بعد، ومنهم من غرس رأسه في رمل غيره، فلم يعد قادراً على أن يتنفس فاختنق، وما زال!