عنوان هذه المقالة سؤال تتداوله على الإنترنت أكثر من مجموعة تهتم بالرأي والرؤى ذات الطابع الاستراتيجي من زوايا مختلفة، فقد طرح هذا السؤال نفسه بقوة أخيراً، بعد صدور كتاب «التصميم الأعظم» من تأليف ستيفن هوكنغ وليونارد ملوديناو عام 2010، والذي ورد في مقدمته ما نصه أن «الفلسفة قد ماتت»، لأنها لم تتمكن من مواكبة التطور في العلوم الحديثة. فالعلماء الآن وليس الفلاسفة..

كما كان الحال في الماضي، هم من يحملون المشاعل لاستكشاف ما هو مجهول في الكون. فلم نعد نحتاج لتأملات الفلاسفة للإجابة عن أسئلة من شاكلة: كيف نشأ الكون؟ وهل يحتاج الكون إلى خالق؟ وما إلى غير ذلك، فلدينا الآن من القدرات النظرية الرياضية والمعدات التجريبية لمقاربة هذه الأسئلة المحيرة، ما يغنينا عن التأملات الفلسفية المحضة.

ستيفن هوكنغ لمن لم يسمع عنه هو أحد أبرز العلماء المعاصرين في مجال الفيزياء النظرية التي تتناول في اهتماماتها التصدي لأسئلة كبيرة ذات صلة بالكون، منشؤه ومصيره، وقد أشغل كرسي الأستاذية الذي سبق أن شغله أحد أبرز علماء الفيزياء في التاريخ «إسحاق نيوتن» في جامعة كمبردج الإنجليزية، ولم يقعده عن إنجازاته العلمية المميزة جداً إصابته بمرض ألزمه الكرسي منذ الثانية والعشرين من عمره.

صيغة «التعميم» التي وردت في هذه المقولة تستوجب التوقف، فالعالمان هوكنغ وزميله قد اختزلا مهمة الفلسفة بما يتعلق بالصور والتأملات والاستنتاجات حول الكون ونشأته، وهو أمر قد يعترض عليه الفلاسفة بقوة من منظور أن رحلاتهم التأملية لا تقتصر على الذهاب إلى هذه الشواطئ البعيدة فحسب، بل تمر وترسو على غيرها كذلك.

إذ لم تتوقف تأملاتهم عند سر الوجود وكنه الحياة بل تجاوزتها لتتمخض عن فتوحات في مجال الأخلاقيات والوجدانيات والجماليات والتشريعات القانونية والحقوقية انعكست في دساتير معظم الدول، وربما غير ذلك مما قد يبدو للوهلة الأولى تأملات للتصدي للإجابات عن أسئلة عبثية.

صحيح أن التطور العلمي قد وضع في خدمة العلماء معدات وأجهزة تمكنهم من سبر أغوار أجزاء من الكون في اللحظات الأولى من ولادته، كما هو الحال مع «مصادم الهادرونات الكبير» الذي يقع تحت الأرض على الحدود السويسرية الفرنسية، حيث أجريت وتجرى تجارب على درجة كبيرة من الإثارة كان آخرها التأكد من وجود «بوسون هيكز» أو ما يعرف «جسيم الرب» الذي افترض وجوده العالم الإسكتلندي بيتر هيكز مطلع ستينيات القرن المنصرم.

ولكن من الإنصاف أن نقول إن الفتوحات العلمية الكبيرة التي تحققت قد أضعفت من دور الفلسفة في الحياة، ولكن من الصعب القول إن العلم قد قضى على الفلسفة. العلم لا نهائي وليس هناك حدود سيتوقف عندها، ذلك أن مهامه وهي الكشف عن الأسرار التي تحيط بالكون والكائنات الحية من جهة والارتقاء بمستويات حياة الإنسان إلى أرفعها هي مهام لا نهائية..

ومن هذا المنظور يبقى التأمل وهو النهج الذي يتقيد به الفلاسفة ضرورياً للعلماء أنفسهم. العلماء في حدود تخصصاتهم لا يحيقون إلا جزئياً بما يتصل بالحياة ويتعلق بتخصصاتهم، في حين أن الفلسفة لا تقبل التجزئة في تأملاتها للحياة، لذلك فإن النظرة الشمولية التي تتصف بها تبقى ضرورية لحاجات الإنسان في التخطيط البعيد المدى وفي التخطيط العلمي بالذات، وحيث إن العلم لا نهائي، فالفلسفة لم تصل إلى مداها ومنتهاها.

العلماء في الحقب القديمة فلاسفة في الوقت نفسه بحكم كون التعرف إلى الأسباب الكامنة خلف الظواهر يتطلب التأمل. الفلسفة كانت تعني للإنسان حزمة المعرفة الكاملة التي تشمل التاريخ والحكمة والشعر والعلم والأدب والغناء والفن والدين والمعتقد، ولم تبدأ هذه الحزمة بالتفكك إلا في مرحلة متأخرة.

ففي مجال العلوم بدأ العلماء باستخدام الوسائل التجريبية بشكل منظم منذ منتصف القرن السادس عشر مع مجيء العالم الإيطالي غاليليو غاليلي، حيث حصلوا حينذاك على إجابات دحضت بعض التأملات الفلسفية ووضعت أخرى موضع الشك.

كان ذلك بمثابة التحول في استراتيجية التفكير ونقطة البدء بخروج العلوم من أحضان الفلسفة وتبلور شخصيتها الخاصة المميزة بعد أن بدأت تستمد عقلانيتها من توظيف الحواس الخمس والامتدادات التي صُنعت لها لسبر غور الصغير جداً والبعيد جداً.

التأمل طريقة حدسية من طرائق الإدراك تكاد تكون أقرب إلى الرؤيا، إلا أنه لا يعني انسراحاً طليقاً للذهن يتجاهل الواقع ويهرب منه. التأمل الفكري يسمو عادة على التجربة إلا أنه لا ينفصل عنها كلياً لا لسبب إلا لأنه يحاول تفسيرها وتنظيمها وإيجاد ما هو مشترك فيها مع ظواهر أخرى تعرف عليها في السابق.

وإذا استعملنا اللفظة بمعناها الأصلي لجاز لنا القول إن التفكير الفلسفي التأملي يتجاوز التركيز على ما هو ضيق ومحدود ويجنح نحو الواسع اللامحدود سعياً للكشف عن معالم بنية تتماسك وتتناسق في لبناتها مع ما يراه ويتحسسه هنا وهناك. فالتفكير التأملي يتميز عن التأمل المجرد الكسول، بكونه لا ينفلت أبداً من تجربة الحياة، قد يبتعد قليلاً عن تفاصيلها ولكنه يظل مرتبطاً بها لأنه ينبثق أصلاً ليحاول تفسيرها.

ليس هناك من شك في أن أي فكرة لا تولد إلا في الأطر الفكرية لعصرها وليس لها أن تتجاوز ذلك، ولعلنا من هذا المنظور نقول إن فكرة هوكنغ وزميله عن موت الفلسفة هذه ليست استثناء من ذلك.