بالتأكيد نطق الرئيس الأميركي باراك أوباما بالصدق، عندما تحدث عن أهوال الحروب الصليبية والمآسي، التي نتجت عن محاكم التفتيش باسم المسيحية، إلا أن الرجل لم يرغب في أن يذهب أبعد من ذلك ولومن قبيل الإشارة إلى وقائع أشد إيلاماً عاشتها البشرية على مدار قرون عديدة قبل أن تظهر «داعش» إلى الوجود جراء ممارسات عنصرية واستعمارية كان مصدرها الأساسي الشمال والعالم الجديد.

لقد شهدت تلك الحقب عشرات بل مئات من الممارسات الداعشية حتى وإن تنوعت الوسائل والأشكال ولكن النتيجة واحدة؛ أقصى درجات التوحش من الجنس البشري ضد أناس أبرياء أوحتى غير أبرياء كان يتوجب معاملتهم بشكل أكثر إنسانية.

واقعة حرق الطيار الشهيد معاذ الكساسبة وإعدام الأقباط المصريين ذبحاً قبل يومين وقتل آخرين سلخاً هي جرائم يشيب لهولها الولدان وهي مشاهد وممارسات مقززة تثير الاشمئزاز لدى كل إنسان يتمتع بفطرة سوية بغض النظر عن العرق واللغة والدين والجنسية والهوية، وتستوجب بذل كل جهد ممكن من الدول والحكومات والهيئات والجيوش للقضاء على الجماعات الإرهابية المسؤولة عن تلك الممارسات المشينة.

لا بد من بذل النفيس والغالي للقضاء على داعش وأخواتها من القاعدة إلى بيت المقدس، وجند الله، وبوكو حرام، والإخوان المسلمين، لأنها بالفعل عاثت في الأرض فساداً ووصمت البشرية بعار مقيم.

كل هذا أمر مفهوم وموضع ترحيب وكل مساهمة في تنفيذه تصب بالتأكيد في خانة الجهد المحمود، ولكن أن نعتبر ما حدث الجريمة الأولى من نوعها في التاريخ، وأن ما جرى هو أبشع ما عرفته وشاهدته البشرية، فتلك بالتأكيد مبالغات تضر أكثر مما تنفع. ويكفي أنها تقود إلى حملة محمومة من جلد الذات فقط لأن من قاموا بتلك الجرائم ينتمون لهذه الأمة أو هكذا يزعمون هم أو لأن حكوماتنا قصرت.

وبعيداً عن العواطف الجياشة والحزن الكبير على ما يرتكب، فأي أمة منفعلة لا تحسن التفكير ولا تتقن التدبير وقد تنزلق نحو مواقف تكلفها الكثير مقارنة بتأمل المشاهد واتخاذ قرارات موضوعية تحقق الأهداف النهائية من دون أية آثار جانبية أوالمساعدة عن دون قصد على ترويج صورة تخرج الناس من دينهم.

لقد ودعت الأمة الشهيد الكساسبة بالدمع الغزير وبكت بحرقة على الشهداء المصريين وهو أمر طبيعي جداً يستحق ثورة الغضب، ولكننا في غمرة الانفعال الشديد ربما لم ننتبه لما تحدثت فيه الصحافة الغربية ذاتها عن حرق الكساسبة والأقباط المصريين في مشاهد «هوليوودية» رائعة الإخراج من جانب المجرمين الظاهرين والمستترين.

وربما كان هذا بيت القصيد من تلك السطور؛ من الذي يقدم كل هذه الابتكارات لهذا التنظيم الشيطاني، ومن الذي يغيثه ويدعمه بالأموال والمساعدات والأسلحة واللوجستيات اللازمة حتى يبقى موجوداً على الساحة يساعد على تشويه صورة الإسلام والمسلمين وتغذية موجات «الإسلاموفوبيا» وصولاً إلى أهداف خاصة ومآرب خفية قد لا نعلم عنها شيئاً ولكننا نسهم في تنفيذها؟

ليتنا نحاول الذهاب أبعد من ذلك ولا نكتفي بتحليل المشاهد السطحية، ونحد من جلد الذات ونتوقف عن المبالغات في غير مكانها، والأوصاف في غير موضعها على غرار«الحادث الأول والجريمة الأكبر والمشهد الأبشع» لأن ذلك سيساعدنا كثيراً على إخراج حقائق تاريخية من تحت الرماد، فالمسلمون عبر تاريخهم لم يعرفوا مثل هذه الممارسات المتوحشة حتى في الحروب، بل إن هذه الممارسات عرفناها بأشكال متنوعة ومختلفة الأشكال من الشمال وهي أخطر من ذلك بكثير لكونها لم تقتصر على القتل الفردي فقط ولكن لأنها أخذت دوماً شكل الإبادة الجماعية والعمل المؤسسي برعاية دول وحكومات.

ولن نغوص كثيراً في أعماق التاريخ البعيد مثلما حاول أوباما، ولكن نكتفي بحقائق من التاريخ القريب نسبياً والحديث والمعاصر في إطار إنعاش الذاكرة فقط لأنها حقائق معلومة للجميع وليست خفية، بداية من سلخ رؤوس الهنود الحمر على أيدي الأميركيين الجدد وإبادة شعب أو عرق بأكمله في مذابح أفنت عدداً يقدر في بعض المراجع بمئة وتسعة عشر مليوناً مروراً بمآسي الزنوج (الأميركيون من أصول أفريقية) .

حيث أفنت وحشية الأميركيين نحو خمسين مليونا ًمنهم في رحلات الجحيم من القارة السمراء إلى العالم الجديد، وياللوحشية مما عاشوه وكابدوه، وأرجعوا في ذلك إلى رواية أليكس هيلي «جذور».

ثم تأتي بعد ذلك قنابل هيروشيما ونجازاكي الذرية، التي قتلت وشوهت مئات الألوف من اليابانيين، ثم الجرائم البشعة في حرب فيتنام، وقتل ثلاثة ملايين من أبناء شعبها في مشاهد تدمي القلوب وتحير العقول لاستمتاع الجنود الأميركيين بنخاع رؤوس وعظام الضحايا، لنأتي إلى جرائم أخرى في أفغانستان وباكستان وقتل المدنيين العزل ثم العراق وقتل مئات الألوف من المدنيين أطفالاً ونساءً وشيوخا ًداخل الملاجئ ومشاهد تعذيب نادرة في أبو غريب وسجون طائرة وداخل زنازين جوانتانامو.

وفي سياق هذه الثقافة الغربية المتوحشة ألم يقتل الفرنسيون مليون جزائري في مذابح متنقلة، ألم يقتل البريطانيون الألوف في الهند ومصر وغيرها من المستعمرات، ألم يقتل الإسرائيليون مئات آلاف الفلسطينيين والعرب الأبرياء والعزل في جرائم متتالية منذ عام1948 وحتى الصيف الماضي، ألم يدفنوا الأسرى المصريين أحياء بعد إجبارهم على حفر قبورهم ثم إعدامهم رمياً بالرصاص مع سبق الإصرار والترصد؟ ألا تستحق كل هذه الحقائق أن نتوقف عندها ونتأملها.