هل السوريون طوائف متقاتلة !

ت + ت - الحجم الطبيعي

تسود فكرة مسبقة وواسعة الانتشار عن الثورة السورية ترى فيها «طوائف تتقاتل». هذه الصورة تنقلها وسائل الإعلام عن صورة كاذبة روج لها النظام منذ بدء التمرد السياسي والعسكري الكبير ضده، جعلت من ثورة الحرية ضد الطغيان مشروع اقتتال طائفي.

هل يتفق ما يجري في سوريا مع هذه الصورة ؟. هل قامت الثورة لأن السوريين طوائف ترفض العيش المشترك وقررت أن تنفصل عن بعضها بالعنف؟. وهل يتوزع السوريون على طوائف هي كيانات متعادية، لا تشكل مجتمعة شعباً واحداً وموحداً، تتربص كل واحدة منها بغيرها وتخطط للانقضاض عليها في أول فرصة؟ أخيراً : هل كانت الثورة هذه الفرصة، التي انطلق بعدها اقتتال طائفي تعيشه سورية منذ ثلاثة أعوام ونيف؟.

هذه الصورة ، الكاذبة من ألفها إلى يائها، هي نقيض حال السوريين. صحيح أن أحداثاً طائفية وقعت هنا وهناك، لكن وقوعها لا يعني أن الصراع الجاري في بلادنا حول شعبنا إلى طوائف متقاتلة، أو نشب لأنها طوائف كهذه. ومع أن الاستهانة بما يقع، وتجاهل ما وراءه من خطط وسياسات ومصالح وقوى..

قد يتسبب في انهيار الثورة وانتصار النظام، فإن تحويله إلى اقتتال منظم وشامل بين طوائف فقدت جوامعها ومشتركاتها الوطنية، يؤدي إلى النتيجة ذاتها : هزيمة الثورة وانتصار النظام، إذا ما رسمت المعارضة سياساتها واتخذت مواقفها انطلاقاً منه، وسمحت بتحولها إلى قوى طائفية تخدم جهودها ضد النظام أغراضه ورهانه الرئيس، الذي قام منذ بداية الثورة على حرفها من ثورة هدفها الحرية إلى اقتتال طائفي لا سيطرة لأحد غيره عليه.

ليس السوريون طوائف متقاتلة، أو بالأحرى، إنهم لم يصيروا طوائف متقاتلة رغم كل ما بذلته اطراف داخلية وعربية وإقليمية ودولية كي تجعل منهم قتلة طائفيين . ومع ذلك ، فإن خطر تحولهم إلى طوائف كهذه لن يبقى مستبعدا، إذا ما استجابوا لخطط النظام ..

ورفضوا التفريق بين من ينضوون في أجهزته ومؤسساته القمعية والسلطوية من ضباط وجنود ومستخدمين علويين، وبين الكيان المجتمعي / التاريخي، الذي يسمونه «الطائفة العلوية» بملايين مواطنيه، المماثلين لغيرهم، والذين تعيش أغلبيتهم الساحقة على هامش السلطة، شأن بقية مواطنيهم، ويفتقرون كهؤلاء إلى أي سلطة أو سيطرة عليها..

ويضحي النظام بهم بالجملة كي يظل قادته ورئيسه ممسكين بالسلطة والثروة والقرار، فضلاً عن أن أغلبية العلويين تعاني ما يعانيه غيرها في السلم، وتموت كما يموت غيرها في الحرب، وتكمن مأساتها ومأساتنا ومأساة العمل الوطني باسره في نجاح النظام بإقناع قطاعات واسعة من السوريات والسوريين ان العلويين الى جانبه،..

وانه يتماهى معهم ويعبر عن كل واحد منهم ، وبالمقابل ، إقناع قطاعات واسعة من العلويين أن في سقوط الأسد والنظام إبادتهم، وأن وجودهما ضروري لوجودهم ، وأن الدفاع عنهما واجب مقدس لكونه دفاعا عن بقائهم ، جماعة وأفرادا.

لم تجابه الثورة هذه المغالطة الشديدة الإيذاء من خلال مؤسسات عمل وطني تضم جميع مواطنات ومواطني سوريا مهما كانت انتماءاتهم الدنيا، التي تتجسد في كيانات جزئية، ما قبل مجتمعية، نسميها الطوائف. بيد أن الوقت لم يفت بعد لإقامة مؤسسات وطنية جامعة، ليس فقط لأن الصراع مع نظام الأسد طويل ويرجح أن يطول..

بل كذلك لأننا لن نرى سوريا حرة وديمقراطية، إذا لم تنبثق من تضحيات جميع أبنائها العابرين للطوائف، الذين إن تقاتلوا حقاً ضاعوا وضاع ما قدموه في سبيل الحرية من تضحيات، وضاعت بلادهم معهم، ونجا نظامهم، الذي لم تفرق مدافعه وطائراته بين مواطن وآخر !.

 

طباعة Email