يعرف بعض علماء السياسة السياسة بأنها فن الممكن، أو بكلمة أدق فن تحقيق الممكن، ولا شك أن السياسة أوسع من هذا بكثير، فهي إضافة إلى غايات أخرى، فهي نظام الحكم ومؤسسات الحكم وطريقة الحكم وانتاج الحكم والعلاقات بين الدول..الخ. لكن السياسة بوصفها تحقيق الممكن أمر جوهري فيها ويجب أن يكون تعريف كهذا حاضرا في كل سياسة. ما هو الممكن؟

الممكن كل ما هو قابل للتحقق. وكل ما هو قابل للتحقق يجب أن يمتلك شروطا تنقله إلى الواقع سواء كانت شروطا موضوعية أو شروطا ذاتية. فكل واقعة قبل أن تتحقق كانت ممكنة وإلا لما تحققت أصلا. والممكن يسمح للتفكير بأن يكون واقعيا.

فقيام حالة نقد موحد بين دول مجلس التعاون الخليجي أمر ممكن، وقد طرح ومازال مطروحا على دول المجلس. وقيام علاقات تحالف بين مصر وتركيا أمر ممكن ومتوقف على توافر بعض الشروط في كلا البلدين.

وتظهر قوة السياسة وعقلانيتها في تعاملها مع عدة ممكنات والقدرة على اختيار الممكن الأنجع والأصلح من بين هذه الممكنات، والذي إذا ما تحقق يحقق فائدة أكبر وقوة أعمق.

ويظهر هذا أكثر ما يظهر في البحث عن حل أزمة ما أو اختيار طريق لمستقبل ما. ولهذا فإن السياسة بوصفها فن تحقيق الممكن تتطلب اكتشاف الممكنات ودراستها ووسائل تحولها إلى واقع ومن ثم اختيار الممكن الأكثر واقعية والأقل تكلفة.

فقد لا تتوافر دائما الشروط الواقعية لتحقق الممكن العقلي الآن. فقيام اتحاد بين دول المغرب العربي ممكن عقلي لكنه الآن وفي هذه الظروف لا تتوافر له الشروط الضرورية لينتقل إلى واقع، فيما الوصول إلى حالة من العلاقات الحسنة امكانية عقلية وواقعية وهكذا.

والخطر الأكبر الذي يواجه الفعل السياسي هو الممكن الوهمي، والممكن الوهمي ليس ممكنا أصلا، وليس موجودا إلا في الذهن. بل الممكن الوهمي هو ضرب من المستحيل.

فالبقاء على الحال ضرب من المحال، وبالتالي فإن الوقوف في وجه التغيرات والسيرورة التاريخية والحفاظ على الواقع إلى ما لا نهاية ممكن وهمي وخطر الاعتقاد بأنه واقعي يقود، لا محال، إلى كارثة في المستقبل.

فالسياسة الإسرائيلية التي تعتقد أنه من الممكن أن تكون اسرائيل قادرة على الدوام بنفي حق الفلسطيني ممكن وهمي بامتياز، كالممكن الوهمي للسياسة الإيرانية بأنها قادرة على الهيمنة على عرب بلاد الشام والعراق من خلال أحزاب الله وما شابه ذلك.

كما أن قياس سياسة راهنة على سياسة قديمة أمر ينتمي إلى الممكن الوهمي. وقس على ذلك. فالسياسة القائمة على الممكن الوهمي قادرة على تخريب العالم فقط لكن لا يمكنها بناء الحياة. ونقيض الممكن هو المستحيل وليس الواقع. لأن الممكن كما قلنا هو واقع لم يتحقق بعد.

وهناك مسألة في غاية الأهمية ألا وهي أن الانتقال من الممكن السياسي إلى الواقع يحتاج إلى إرادة سياسية وأدوات مطابقة. وإلا فإن ممكنا قد يظل ملقى في الواقع أو في الذهن فترة طويلة مفتقرا إلى إرادة فيموت..

ولا تستطيع قوة استعادته لأن زمانه يكون قد ولى. فبعد طائف الحرب اللبنانية ١٩٨٩ كان مطروحا إلغاء الطائفية السياسية، وكان ذلك ممكنا، لكن هذا الممكن قد مات الآن. وكل الممكنات التي توافرت لحل الوضع السوري بعد ثورته السلمية قضى عليها النظام وماتت.

إن إرادة عنيفة قادرة على أن تقضي على ممكن سياسي واقعي لكنها تخلق ممكنات لا تخطر على بال وتكون أخطر عليها من الممكنات التي قضت عليها.

بقي أن نقول إن السياسة التي تلتقط الممكن وتحسب حساب تحققه أو عدم تحققه تستطيع أن تمتلك عقلا قادرا على التوقع. فتبني سلفا سياسة تواجه الممكنات المتوقعة، فلا تفاجئها أحداث لم تحسب حسابها. وبالتالي تبني سياستها على معرفة ونظر فلا تترك الأحداث تأتيها على حين غرة.

هل باستطاعتنا أن نقول إن السياسة بوصفها فن تحقيق الممكن هي في الوقت نفسه علم باحتمالات المستقبل؟ الجواب نعم.