حين نتأمل حاضرنا وما يتوافر فيه من موارد مادية في مجالات التعليم والخدمات الصحية وغيرها وأخرى قيمية تتعلق بالحريات وحقوق الإنسان والعلاقات الجديدة التي ننسجها مع البيئة ووعينا بضرورة الحفاظ على حقوق الأجيال القادمة في مواردها من خلال الأخذ بمبدأ التنمية المستدامة نرى أن ما نتمتع به من ماديات وكماليات لم يتأت من فراغ بل من الأخذ بما لتجارب الماضي من دلالات والاستفادة منها لصالح بناء الإنسان وتوسيع خياراته..
ذلك الماضي الذي شهد ما لا يحصى من حروب اندلعت لأسباب عرقية أو دينية أو مذهبية أو عشائرية لم ينتفع منها سوى أفراد قلائل وحصد معاناتها وقود تلك الحروب وهم الجنود من الطرفين المنتصر والمهزوم.
الحديث عن حاضرنا الشديد الالتصاق بالماضي ليس بالحديث المسر إلا أنه رغم ذلك يفرض نفسه في الأجواء التي تسود فيها ظاهرة لا يمكن تجاهلها في منطقة الشرق الأوسط وهي هذا الحضور للماضي، أحداث وشخوص وأفكار ومعتقدات في حياة شعوبها بكثافات وطرائق متعددة. هذه الظاهرة تستوجب التوقف عندها لأسباب عديدة فقد أصبحت تستنزف قدراتنا بإسراف وتستحوذ على المزيد من مساحات حياتنا البدنية والعقلية وتهدر ثروات بلداننا وتغلق عقول شبابنا وتسد بذلك المسالك نحو التقدم والتطور.
الموضوع لا يتعلق بالتراث نفسه قدر ما يتعلق بالقوى التي تحمل هذا التراث وتوظف بعض ما ورد فيه بطرائق غير مسؤولة وبقوة في الحياة السياسية اليومية للوصول إلى الحكم وليس للانتصار لما تدعو إليه. فقد عاد الماضي ليحدث شروخاً خطيرة في البنى المجتمعية، فهناك صراعات مندلعة في عدد من بلدان المنطقة بسبب ذلك الماضي.
حين نتأمل الظروف التي تمر بها مجتمعات الشرق الأوسط لا مفر من الحديث بصراحة عن سلبيات الدعوة للعودة للماضي وقيمه على الرغم من أن البعض قد يرى في ذلك تجاوزاً على بعض المُسلمات..
فالماضي ينتمي إلى عالم الأموات القديم جداً ولكنه ما زال يتمتع بسلطة الاستحواذ على حياة الأحياء، ويمسك بتلابيب الحاضر ليثبت قدرته على إيقاف عجلة الزمن عند بعض مفاصله ساخراً من أطروحات التطوير ومصراً على مخاطبة دعاتها بغطرسة رافعاً رايات التكفير ومستخدماً كل الأساليب لفرض نفسه ومنها اللجوء للعنف والتدمير.
الطقوس التي تبعث الحياة في الماضي تمارس في العديد من مجتمعات المنطقة بأساليب إيقاعية متنوعة يعتبرها البعض من منظوره الخاص نوعاً من الفنون المسرحية إلا أنها بكل تأكيد نوع غير أخاذ، المشاعر والمشاغل في هذه الطقوس حيث يتماهى الأحياء بالأموات لا تُكرس لإضفاء البهجة على الحياة، رسالة الفن، ولكن لانتزاع ما قد تبقى من فرح في نفوس ظمأى تتطلع لحياة بهيجة هدفها المستقبل.
استحواذ الماضي لم يقتصر على المساحات العقلية للأناس البسطاء المأخوذين به لدرجة العيش معه تفكيراً وممارسة بل تجاوز ذلك ليشغل فئات أخرى من المتعلمين فقد انخرط بعضهم في هذه الموجة الماضوية بدوافع انتهازية رغبة في الحصول على مكاسب شخصية وبعضهم الآخر انشغل بتحليل مدخلاتها ومخرجاتها وبما تضفيه من كآبة على الحياة اليومية.
معظم المجتمعات في دول العالم مختلطة دينياً أو عرقياً أو مذهبياً أو قبلياً ولكل من هذه المكونات إرث ثقافي وتراث وطقوس تحرص على إدامتها وقد يكون في بعض هذه الطقوس ما يمس مشاعر آخرين.
ورغم أن التنوع يعتبر من الناحية النظرية عامل إثراء ثقافي وحضاري في المجتمع إلا أنه من جانب آخر قد خلق الكثير من الإشكالات حول كيفية التوفيق بين قيم التراث وقيم المعاصرة، هذه الإشكالات تتعلق بما نختاره من التراث والتقاليد لنعمل على تطويره لأنه يعزز من وحدة المجتمع ويزيل مكامن الاحتقانات أو نختار غيره للإبقاء على التمايز الشديد في الهوية حتى لو كان ذلك على حساب وحدة النسيج المجتمعي.
ما تشهده ساحات الشرق الأوسط من عنف واقتتال تحولت بسببه حياة شعوبها إلى جحيم هو التوظيف القوي لبعض مفاصل الماضي وتراثه من أجل تغيير سمات الحاضر، ورفض كل قيمه المدنية الحضارية.
فهروب البعض إلى الماضي ضرب من الالتحاف بغطاء يحجب ثراء الحاضر الذي يرعبه وتحسباً لما سيأتي به المستقبل من مخاطر أكبر على أوكاره، ولتصبح العزلة الجغرافية عن الآخرين عزلة فكرية عنهم كذلك عبر الانكفاء نحو الأيام الخوالي واجترار أحداثها والبكاء على أطلالها.
الحقيقة أن مقاومة الظاهرة الماضوية والتغلب عليها وإزالة ما تركته حتى الآن من أضرار لا تتطلب إجراءات سياسية إصلاحية قدر ما تتطلب نهضة ثقافية يلعب فيها ذوو الفكر والثقافة دوراً ريادياً طليعياً، نهضة تُرسى أسسها على حوارات صريحة وعلنية وغير مُجاملة لمقاربة الماضي وإرثه بروح عصرية شجاعة منحازة كلياً للإنسان وطموحه وأحلامه وليس لغيره، إذ ينبغي أن لا نسمح للماضي بالاستحواذ على حاضرنا واستنزافه وتدميره.