أجمل الطرق، تلك التي لم نسلكها من قبل، إذ إن الدهشة تموت في الطرق المستهلكة، فهي مملة بتكرار مشهدها وانحناءاتها وتحدياتها وتضاريسها. ولكن من ذا الجريء الذي يقوى على تغيير طريقه ويعيد تشكل أنماط تفكيره وحياته، ليجد في الطريق الجديد تفرعات لا تنتهي ملؤها الدهشة والتحفيز والابتكار، وهكذا دواليك. وكما قال شاعر التشيلي الكبير بابلو نيرودا:

«ميت ذلك الذي يصبح عبداً لعاداته قاطعاً كل يوم نفس الطريق». هذه الكلمات قيلت في زمن كانت إيقاعات حركته بطيئة، حيث ثورة المواصلات السريعة ودفق الاتصال المعلوماتي والمعرفي لم تنطلق بعد.

فماذا نقول الآن، في عصر التكنولوجيا الرقمية، حيث أمامنا ليس خيارا واحدا بل العشرات من الخيارات والطرق الافتراضية التي في النهاية تشكل للأفراد أسلوب حياتهم وفكرهم، وللمؤسسات سياسات عملها وتقدمها، وللحكومات قدرتها التنافسية وتطوير مجتمعاتها لتكون مستدامة الإنتاج والتقدم بما يسهم برفاهية المجتمع ورفعة الإنسان.

قبل سنوات ليست بالبعيدة، كانت دولة الإمارات تبتعث أبناءها بكثافة للاطلاع على أفضل الممارسات في شتى المجالات، وتستقدم المدربين من أنحاء العالم لتعزيز الكفاءات الفردية والمؤسسية، ومع كل مرحلة كانت الدولة تأخذ مساراً تنموياً جديداً وطريقاً استثنائياً وسباقاً...

فتراكمت المعرفة الحديثة في جميع مفاصل المجتمع وتبلورت القناعة لدى صانع القرار بأن المنفعة من الطريق الجديد تمنح أصحابه القدرة على التفكير «خارج الصندوق» ويختبر القدرات الكامنة في التطوير والريادة. فأمست الإمارات مزاراً لكل العقول العالمية والعربية ذات الخبرة..

وتلك الشابة التي تبحث عن بيئة محفزة للابتكار وتحقيق الأحلام، وقِبلَة للعديد من المؤسسات الإقليمية والعالمية للاطلاع على النموذج التنموي الاقتصادي الناجح في دولة الإمارات. ففتحت قنوات نقل المعرفة، وكثرت الوفود، واستضافت المعارض والمنتديات والملتقيات العالمية المعنية بالارتقاء بالمجتمعات ورفاهيتها وسعادة الفرد فيها.

فاستحقت الدولة شهادات اعتراف من بيوت الخبرة العالمية والمعاهد البحثية والمنظمات الأممية بأنها صاحبة الريادة على المستوى الإقليمي دون منازع، بل العالمي في العديد من الجوانب، فالإمارات الأولى عالميا في مؤشر كفاءة الأداء الحكومي، فهي المركز الأول في التنافسية على المستوى الإقليمي والثامن على المستوى العالمي.

وفي عالم تعمّه الفوضى وتشرذمه القطيعة وتنهشه اتجاهات نبذ الآخر والنبذ المضاد والتخلف، حصلت الإمارات والتي يعيش فيها أكثر من 200 جنسية من جميع أنحاء العالم..

ويفوق تعداد سكانها 8 ملايين نسمة، على المرتبة الأولى عالمياً في التعايش السلمي بين الجنسيات، وفقاً للتقرير السنوي 2014 للمنظمة العالمية للسلم والرعاية والإغاثة التابعة للأمم المتحدة. فكيف لا تكون الوجهة التي يكتشفها المبدعون لتكتشفهم وتعلو بمراتبهم خدمة للإنسان والمجتمع.

فمن تمكين الفرد والتطوير المؤسسي نحو التميز، ومن ثم إلى الحكومة الإلكترونية تحت شعار «حكومة بلا ورق»، إلى السرعة في الأداء وضبط الجودة، وإلغاء البيروقراطيات العقيمة، وإلى الخدمات عبر الهواتف الذكية، مروراً ببناء مجتمعات المدن الذكية، استطاعت الإمارات أن تنتقل من مجتمع المعلومات إلى اقتصاد المعرفة.

وإن تنظيم مؤتمرات المدن الذكية، وقمم عالمية مثل قمة «الابتكار»، فهي أحد المؤشرات الأكيدة بأن الدولة باتت تقود «الحكمة المعرفية» وهي أعلى مستويات عناصر رباعية التطور البشري الحديث وهي «البيانات، المعلومات، المعرفة، الحكمة»، وما استكشاف الطرق الجديدة غير المستهلكة وكسر المألوف في التنمية ونوعية الفرص، وخلق معايير جديدة للابتكار يقوم على الإبداع والتفاعل والتكامل الفردي والمؤسسي والحكومي..

وترشيد وتوظيف المصادر بأقصى قدراتها وطاقاتها؛ ما هو إلا أحد المؤشرات الواضحة على دخول إدارة الحكمة وخلاصة المعرفة المقطرة التي تستشرف المستقبل وتتنبأ بتحدياته وفرصه وتخلق بيئة الابتكار. فما القمة إلا هي إحدى محطات التوقف والتأمل المضيئة على طرق المستكشفة المليئة بالدهشة والمعرفة والحكمة.