في الوقت الذي يشعر البعض من حولنا بالقلق من اقتراب اللحظة الفارقة بين عصر النفط وعصر ما بعد النفط، تقف هذه الدولة المباركة واثقة بالله أولاً، ثم بقادتها وشعبها وما أنجزت أيديهم، لكي تخطط للاحتفال بتلك اللحظة.

هذا هو السياق الطبيعي الذي نستطيع أن نضع فيه كلمات قائد فذ بحجم ومكانة وإنجاز واقتدار سيدي الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهو يخاطب القمة الحكومية لعام 2015، عن أسباب احتفال الإمارات المرتقب بتصدير آخر برميل نفط بعد خمسين عاماً من الآن.

ذلك أن القيادة هي في المحصلة قدرتك على أن تنجز وأنت تنظر للأمام، وأن تقود وأنت تسير بشعبك للمستقبل، وأن تخطط وأنت تبني لوطنك جسوراً إلى أحلام تتحقق على الأرض بعون الله. أليست هذه هي الصفات الطبيعية لقادتنا العظماء في دولة الإمارات؟ الحمد لله رب العالمين، أن أنعم علينا بهذه النخبة الرائدة من القادة الذين لا يعرفون المستحيل.

وسمو الشيخ محمد بن زايد، زاده الله عزّاً، هو صنفٌ متفردٌ من القادة، لم يألُ جهداً في سبيل رفعة هذه الدولة وشعبها، منذ أن كان شبلاً في مدرسة الليث المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان، يرحمه الله رحمة واسعة. ومن استمع لكلمات سموه في القمة الحكومية، ربما توقف كثيراً عند استشهاد سموه بكلمات والده الجليل عن الفرق بين الواجب والدلع في علاقة الحاكم بالمحكوم، والدولة بأبنائها... ألا يذكرنا هذا بالمقولة التي تتكرر على كل لسان في وصف سمو «أبو خالد» بأنه «شبيه زايد»!

هذا «التأهب» في النقاش، أردت منه أن يكون مدخلاً موضوعياً لمحاولة استذكار المسارات الرئيسة في استراتيجية «محمد بن زايد» لمستقبل الإمارات، كما عبر سموه عنها في خطابه قبل أيام، والتي يمكن إجمالها في النقاط الآتية:

- المواطن هو الركن الأساسي للتنمية: كل ما تقوم به الدولة بحكوماتها الاتحادية والمحلية له هدف رئيس وأساسي، ألا وهو المواطن الإماراتي حيث كان، ولعل في تأكيد سمو ولي عهد أبوظبي أكثر من مرة على كلمات المؤسس، يرحمه الله، تذكيراً لكل القادة الحكوميين في مختلف المستويات، بأن عجلة التنمية تدور لكي يستفيد منها المواطن، وأن كل ما نراه من إنجازات تتحقق في الدولة، إنما يصب في هذا الاتجاه، باعتبار أن مسؤولية الدولة والحكومة الأولى هي تجاه هذا المواطن، لكن الأمر لا يتوقف فقط عند توفير الخدمات وعناصر التنمية، وإنما تقديمها بما يتناسب مع اسم الإمارات وسمعتها كدولة رسخت موقعها في مصاف الدول المتقدمة والمتحضرة.

- تنويع وإغناء الاقتصاد: لا يمكنك أن تحتفل بتصدير آخر برميل نفط إذا كنت تعتمد عليه كمصدر وحيد أو رئيس لدخلك. لذلك سعت الدولة، على المستويين المحلي والاتحادي، لتنويع مصادر الدخل، وتقليل مساهمة النفط في الناتج المحلي الإجمالي، ولكن ليس عن طريق تخفيض إنتاج النفط، وإنما من خلال زيادة مساهمة القطاعات غير النفطية والتوسع فيها. وقد أثبتت هذه التجربة نجاحاً كبيراً، سواء في مجال الاستثمارات السيادية التي أشار إليها سموه، والتي تمثل من ناحية عملية احتياطياً وطنياً هائلاً للأجيال المقبلة، أو في مجالات الإنتاجية الوطنية المختلفة، كالصناعات والسياحة وإعادة التصدير والموانئ وغير ذلك.

- التركيز على الصناعات الاستراتيجية: وهو مسار يؤكد سلامة التوجه الاقتصادي للدولة، لأن تنويع مصادر الدخل يتطلب في ما يتطلب مستوى معيناً من الصناعات والأنشطة التجارية التي تحافظ على ذلك الدخل (بما يعرف بالصناعات والأنشطة التجارية عالية الدخل)، إضافة لواقع مهم، وهو أن قدرة الدولة (أي دولة) في مجال الصناعات الاستراتيجية، مسار إجباري لمن يرغب في أن تكون له كلمة مؤثرة في اقتصاديات القرن الحادي والعشرين.

- نوعية التعليم وعلاقته باحتياجات الاقتصاد الوطني: ضرب سموه مثالاً مهماً، يتمثل في الحاجة لتلبية متطلبات قطاع النفط في الخمسين سنة المقبلة قبل انقطاعه، وذلك من إخلال إعداد وتأهيل الكوادر الوطنية المناسبة، وهذا في التطبيق العملي، يعني الاهتمام بنوعية مخرجات التعليم، وربطها بالتطلعات الاقتصادية الوطنية. ألم يقل لنا سموه إن العاملين في مصنع استارتا لقطع الطائرات كلهم من المواطنين والمواطنات، نعم، فهذا ما يعنيه الإعداد النوعي للتعليم.

- وحدة الدولة ووحدة الإنجاز: ربما يكون سمو الشيخ محمد بن زايد، واحداً من أكثر قادتنا ترديداً للعبارة التي نحب جميعاً: البيت متوحد، لكنها في فكر سموه تتجاوز القول إلى العمل اليومي والمتواصل. لذلك، اكتسب تأكيد سموه على هذه الحقيقة في كلمته أمام القمة الحكومية، أهمية إضافية، نظراً لأن هذه القمة هي الفعالية الوحيدة تقريباً التي تضم مسؤولي الحكومة الاتحادية بمسؤولي الحكومات المحلية، وهي رسالة سامية ومهمة من سموه، تقول لكل مواطن إماراتي حيث كان: جميعنا نعمل يداً بيد من أجلك.

- كل مواطن شريك في المسؤولية: توقفت كإماراتي بكثير من الاعتزاز عند مشهد تكريم سمو نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، لثلة شجاعة من منتسبي الخدمة الوطنية، الذين أصروا على المشاركة الفاعلة في الدورة، رغم استثنائهم أو مرضهم، والواقع أن هذا تذكير (بالبنط العريض)، إن جاز لنا القول، إن مسؤولية خدمة الوطن ليست مسؤولية الحكومة ومسؤوليها فقط، وإنما هي مسؤولية كل مواطن، كل في موقعه، وكما يقول المثل (كل مواطن خفير) داخل الدولة، ونضيف لها (كل مواطن سفير) خارج الدولة.

لكن الرسالة الأهم هنا، هي تقدير هذه الدولة وعرفانها على أعلى المستويات للمبادرات الفردية الشجاعة تجاه الدولة، بدءاً من رجل الأعمال الذي تبرع بأربعة آلاف سيارة للجهد الحربي عام 1990، ووقوفاً وليس انتهاء عند الشاب الذي تجاوز مرضه مُصراً على الالتحاق بالخدمة الوطنية.

وإذا كانت هذه بعض الدروس التي يمكن استخلاصها من كلمة سمو «شبيه زايد»، فلأن ما تركه خطاب سموه في نفوسنا كإماراتيين، بغض النظر عن عملنا، كان أثراً بالغاً يدعونا ويحفزنا إلى العمل والعطاء والبذل والتضحية. لم يكن سمو الشيخ محمد بن زايد يخاطب الجالسين في قاعة القمة الحكومية فقط، وإنما كان يخاطب عقل وضمير ووجدان كل مواطن ومواطنة حيثما وجدوا، ولذلك وجدنا حرصاً شديداً على متابعة الكلمة، إلى حد أن صاحب السمو الشيخ حميد بن راشد النعيمي عضو المجلس الأعلى حاكم عجمان، ورغم وجوده خارج الدولة، حرص على تفريغ مواعيده للاستماع لكلمة سمو ولي عهد أبوظبي، ومثله فعل الآلاف من المواطنين والمقيمين الذين لم تتسع لهم قاعة القمة، لكن قلوبهم اتسعت لسمو الشيخ محمد بن زايد.

نقول هذا، ونحن نرقب ظاهرة مهمة، وهي إقبال المواطنين، وحتى المقيمين، على متابعة كلمات سمو الشيوخ في مناسبات كهذه، وتداولها، وحتى الاحتفاظ بها، بينما نسمع عن دول يتحدث مسؤولوها كأنهم يستجدون شعوبهم أن تسمعهم، وهذا درس بليغ للعالم، ينبغي أن يتعلمه من الإمارات، فالقادة الذي يرصفون بلاطهم بالمحبة والتواصل والإنجاز، غير القادة الذين يرصفونها بأشياء أخرى. هذه هي المعادلة الإماراتية التي جعلتنا، الملايين، يترقبون خطاب سمو الشيخ محمد بن زايد، وإخوانه سمو الشيوخ في الأيام الأخيرة.

لكنها كانت قمة حكومية، على أي حال، وحضورها هي في الغالب مسؤولون حكوميون، يقع على عاتقهم تنفيذ توجيهات القيادة الحكيمة لحاضر ومستقبل الإمارات، لذلك، ولكي نضع الأمور في سياقها التنفيذي، فمن الطبيعي هنا أن نضع في اعتبارنا الشخصية القيادية العسكرية للفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وكيف لا، وهو الذي تدرج في مسارات المسؤولية العسكرية حتى بلغ الذرى قائداً عاماً لجيش الإمارات وقواتها المسلحة، ونائباً لقائدها الأعلى. لذلك، ربما يفيدنا كمواطنين أن نتذكر أن من الممارسات المتبعة لدى قادة الجيوش في مخاطبة الجنود، توجيه أمر يومي يشرح فيه التوجهات والأوامر، ويبث الروح المعنوية العالية ويعززها.

أما وقد تسلم الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان موقعه التليد المتفرد بين صناع الإنجاز وكتاب التاريخ في هذه المرحلة من تاريخ العالم ومسيرة الإمارات، فهل حان الوقت لنا نحن كإماراتيين، نتطلع مع سموه باستشراف إلى مستقبل زاهر، أن نعتبر خطاب سموه أمام القمة الحكومية 2015، بمثابة أمر يومي يوجه مسيرتنا على مدار السنوات الخمسين المقبلة؟

فهل أنت مستعد... أيها الإماراتي؟