إذا كنت مثلى، عزيزي القارئ، ممن يتابعون الولايات المتحدة عن كثب، فلابد أنك ستتفق معي في أنك كثيراً ما تجد نفسك تهتف «فقط في أميركا»! فبإمكانك بأميركا أن تجد الشيء وعكسه في الوقت ذاته.
فأنت إزاء مجتمع متقدم ولكن يعج بأفكار شديدة الرجعية. أمة من المهاجرين ولكن بها عداء شديد للمهاجرين، وهكذا. والعجائب لا تنتهي وهي ذات مذاق خاص أميركى بامتياز.
الأسبوع الماضي حفل بعدد لا بأس به من الأحداث التي ينطبق عليها عبارة «فقط في أميركا». خذ عندك قصة مرض الحصبة الذي فجر ضجة «سياسية»! فالمعروف أن الحصبة من الأمراض المعدية للغاية وقد تؤدي لمضاعفات خطيرة وأحياناً للوفاة، خصوصاً بين الأطفال.
ومتى أصيب الإنسان فلا علاج للمرض. لكن الوقاية من الحصبة صارت ناجعة عبر التطعيم. وتقول الإحصاءات أن حوالي 85% من أطفال العالم يحصلون على التطعيم.
وقد ظهرت الحصبة مؤخراً في ولاية كاليفورنيا وأنذرت بالخطر لأنها أصابت مئة شخص في فترة وجيزة للغاية وانتقلت لتشيكاغو. إلى هنا، والقصة عادية. فالمرض يظهر بين الحين والآخر، وإن في الدول النامية. لكن في بلد التقدم العملي، أميركا، حدث ما لا يمكن أن يحدث إلا فيها.
فكريس كريستي، حاكم ولاية نيوجيرسي، الذي يطمح في أن يصبح رئيساً للولايات المتحدة سافر إلى بريطانيا. والزيارات الخارجية للطامحين في الرئاسة تضيف زخماً إذ يبدو من خلالها المرشح وكأنه قادر على التعامل مع السياسة الدولية.
لكن كريستي في أثناء زيارته هناك لأحد المعامل الطبية التابعة لشركة تنتج تطعيمات لأمراض مختلفة ، قال إن تطعيم الأطفال لا ينبغي أن يكون إجبارياً من جانب الحكومة، وإنما من حق الآباء والأمهات أن «يمتنعوا» عن تطعيم أولادهم! دعك لحظة من رجعية مضمون ما قال، إذ إن الرجل كشف عن افتقاره للذكاء السياسي لأنه لم يأخذ في اعتباره أنه يقول ذلك تزامناً مع انتشار الحصبة في بلاده.
ثم أنه يناقض نفسه لأنه منذ شهور فقط فجر ضجة بدا فيها مؤمنا بدور متشدد للحكومة في ضمان الصحة العامة حين فرض بالقوة الحجر الصحي كإجراء وقائي على ممرضة أمريكية كانت قد عادت من غرب أفريقيا بعد أن عالجت مرضى الإيبولا.
ورغم أنها لم تكن مصابة بالمرض، فقد تم عزلها بالقوة في خيمة بجوار المستشفى الذي كانت فيه تحت الملاحظة في نيوجيرسي لثلاثة أيام. ولولا أن الممرضة تعيش أصلاً في ولاية أخرى، لفرض عليها البقاء في بيتها لمدة 21 يوماً إضافية.
لكن ما هي إلا أيام حتى كان مرشحاً آخر للرئاسة، هو راند بول، يؤكد المعنى نفسه مشيراً إلى أن «الدولة لا تملك أطفالك» وهو تعبير مغرق في ميراث العبودية.
فكأن الأطفال مثل العبيد «ملكية خاصة» لآبائهم! والمرشحان يخاطبان بتلك التصريحات حركة أميركية نشأت منذ الثمانينات ترفض التطعيم بناء على دراسة نشرت في مجلة علمية زعمت أن هناك علاقة بين التطعيم ومرض التوحد لدى الأطفال، ثم ثبت أنها مزيفة.
وإذا كنت تتحدث عن عجائب السياسة في أميركا، فلا يمكن إلا أن تذكر سارة بيلين، التي كانت مرشحة لمنصب نائب الرئيس في انتخابات عام 2000 مع السناتور جون ماكين. فسارة بيلين التي كانت حاكمة لولاية ألاسكا أعلنت مؤخرا أنها تفكر في الترشح للرئاسة. لكنها ألقت خطاباً في مؤتمر للجمهوريين بولاية أيوا كان نموذجياً لأن نهتف جميعاً «فقط في أميركا».
فهي بعد أن استنزفت مدة الخطاب المتاحة في مقدمة طويلة، قدمت نفسها لمنصب الرئاسة عبر خطاب مفكك للغاية حار الكثيرون في متابعته من كثرة جمله التي لا تعني شيئاً! فهي مثلاً في فقرة طويلة بدأتها بالحديث عن ابنتها، انتقلت بعد جمل محدودة لذكر تفاصيل عجيبة تبين في آخرها أنها تتحدث عن كلبة العائلة لا عن ابنتها !
وفي أميركا وحدها، يمكن لسارة بيلين التي ظنت أن أفريقيا بلد لا قارة، واعتبرت أنها تملك خبرة في السياسة الخارجية لأنها تستطيع أن ترى روسيا من بيتها في ألاسكا، أن تصبح حاكمة لولاية، بل تقول هذا الكلام في عام 2000 ومع ذلك يظل لها مؤيدون لو قالت إنها تنوي الترشح في 2016 لمنصب الرئاسة، أكرر رئاسة الدولة العظمى في هذا العالم! فعلاً «فقط في أميركا»!