يمكن أن نطلق على العصر الذي نعيشه عصر الأزمات نتيجة لتعقد الكثير من القضايا وتشابكها وصيرورة الأحداث بمعدل سريع يتطلب دائماً سرعة التحرك الذي قد تغيب أحياناً، وهو ما يجعل دخان الأزمة يتصاعد، ويرمي بشرره في اتجاهات مختلفة، وبخاصة أن تأثيرات الأزمة لم تعد قاصرة على منطقة دون غيرها، وتداعياتها أصبحت كونية، حتى وإن تعلقت بشركة لصناعة السيارات، في عالم أصبح يرى فيه الجميع دون حاجز أو حائل.
كما ضاعفت وسائل الإعلام وتطور أقنيتها من سرعة انتشار الأزمة وسريانها سريان النار في الهشيم، أو الحد منها ومعالجتها، وبخاصة أن هناك من هذه الوسائل من يعيش على الأزمات ويقتات عليها، وعلى ذلك فقد تكون السبب عندما يبدأ التعامل السلبي مع الحدث، وقد تشارك في وضع النهاية عندما يتم استخدامها بشكل فعال كواحدة من أهم أدوات احتواء الأزمة وتضيق نطاق تمددها.
من هنا فإن أحد أهم تعريفات الأزمة من الناحية الإعلامية هو موقف أو حالة تتسبب في تركيز وسائل الإعلام على منظمة أو جهة بحيث تنال من سمعتها، وبخاصة أن المؤسسات الكبيرة حريصة على الحفاظ على صورتها المنطبعة في أذهان الجماهير، باعتبارها كياناً صالحاً يؤدي دور في المجتمع، وقد يكون النشر السلبي غير متوقع.
ومن الناحية الإدارية فإن الأزمة لحظة حاسمة مضطربة، تتعلق بمستقبل كيان تعرض لمشكلة تتطلب من صانع القرار اتخاذ إجراءات سريعة وحاسمة في ظل حالة من عدم اليقين ونقص في المعلومات يتطلب التفكير خارج الصندوق. لذلك كان النجاح في إدارة الأزمة من المكاسب الكبيرة التي تؤسس لمكانة كبيرة للمؤسسة عملاً بالحكمة «السوط الذي لا يقصم الظهر يقويه».
لذا فإن إدارة الأزمة تعني السيطرة على معدل تصاعد الأحداث، والقدرة على إبقائها في حدود السيطرة.
كما أنه عندما يتعامل الإعلام مع الأزمة لا ينظر بشكل كبير إلى ما حدث ولكن «ما يتصور الناس أنه حدث»، ذلك أن الناس لا ترى الأحداث كما هي، ولكن من خلال ثقافتها وخبراتها الذاتية وتجاربها السابقة، فضلاً عن أن الناس تضيف إلى الأحداث من ذاتها، ومن هنا فإن معرفة الإعلام للصورة المنطبعة تساعده في صياغة الرسائل التي تلبي احتياجاتهم وتجيب عن تساؤلاتهم.
وبخاصة أن غياب المعلومة يعد أحد الأسباب الرئيسة في إطالة أمد الأزمة، والتأخر في الوصول إلى الجماهير بسرعة يزيد من نطاق التأويلات والاجتهادات، ويمثل بيئة مواتية لانتشار الشائعات التي تتقبلها الجماهير بسهولها لرغبتها في معرفة تفسير لما يحدث.
كما أن إدارة الأزمة بشكل ناجح تتطلب نوعاً من المديرين الذين لا يصابون بالفزع والهلع من أول وهلة، الأمر الذي يجعله يأخذ قرارات سريعة وقد تكون متضاربة، ولكن لا بد أن يتسم باتزان انفعالي قادر على التحليق فوق المشكلات ورؤيتها من مختلف الزوايا، والمناورة التي تمكنه من الإبحار بمؤسسته إلى شاطئ الأمان وبأقل الخسائر إن لم يخرج من الأزمة منتصراً.
ولذلك هنالك بعض المحددات التي يجب أن تتعامل بها المؤسسات عند التعرض لأزمة إذا أرادت أن تحول هذه المحنة إلى منحة وفرصة لكسب قطاع جديد من الجمهور، منها ألا تغفل دور وسائل الإعلام منذ بداية الأزمة لضمان وصول الرسالة الإعلامية لجمهورها.
وكذلك أن تتنوع في استخدام وسائل التواصل الجديدة إلى جانب الوسائل التقليدية لتنوع الجمهور وتنوع مضمون الرسائل، فضلاً عن الشجاعة وتحمل المسؤولية وتقديم الاعتذار إذا ثبت ما يتوجب ذلك، وعدم اختفاء المسؤول وراء المستشارين أو المتحدث الرسمي أو إلقاء اللوم على الآخرين إلا إذا ظهرت المؤسسة كضحية لأفعال الغير، مع اختيار الاستراتيجية الإعلامية الأنسب لطبيعة الأزمة والجمهور المستهدف، مع الوضع في الاعتبار صورة المؤسسة لدى الجماهير.
فمما لا شك فيه أن المؤسسات التي تحظى برصيد طيب لدى جماهيرها من الممكن أن تتجاوز عن بعض هناتها، وبخاصة إذا كان ذلك يحدث لأول مرة. وكما قال الشافعي رحمه الله «وعينُ الرِّضا عن كلَّ عيبٍ كليلة .. وَلَكِنَّ عَينَ السُّخْطِ تُبْدي المَسَاوِيَا».
ولذلك يمكن استخدام أسلوب التهوين مع الأزمات الناتجة عن حوادث عرضية، بشرط ألا يكون بتاريخ المنظمة أزمات مماثلة، غير أنه لا يجب الإنكار أو التهوين في الأزمات التي تكون مسؤولية المؤسسة عنها واضحة، أو عندما لا تستطيع تقديم أدلة على عدم صلتها بالأزمة.
ورغم أهمية الدور الذي تقوم به كافة الأطراف لمواجهة الأزمة إلا أن الدور الإعلامي يبقى هو الأهم من خلال محاولة الحفاظ على الصورة الإيجابية للمؤسسة، في ظل اعتماد الجمهور عليها بشكل كبير كمصدر للمعلومات، وفي ظل ثورة معلوماتية تعددت مصادرها ومثلت ضغطاً أكبر على صانع القرار.
وهنا يجب التعامل باحترافية من خلال سرعة الوصول إلى الجماهير وتقديم المعلومة كاملة للمعنيين بتداعياتها، وإظهار الاهتمام والتعاطف بالمتأثرين بها، في الوقت الذي يتم فيه شرح وتوضيح الأسباب التي أدت إلى الموقف الراهن، والتعامل باهتمام مع كافة الآراء ولو وصلت إلى حد الانتقاد، ولا مانع من إشراك أطراف أخرى والاستعانة بهم وكسب تعاطفهم وخاصة الأصدقاء منهم.
إن التعامل الفعال مع الأزمات إعلامياً قد يحول الأزمة إلى فرصة، وفي تقديري إن معالجة الأزمات بجانب أن له استراتيجيات وقواعد علمية تحدد الأساليب الأكثر فاعلية في التعامل مع مختلف الأزمات التي تواجه المؤسسات.