كنت فى صباى ومطلع شبابى مولعا أشد الولع بأغاني أم كلثوم. كان اسم أم كلثوم وقتها على كل لسان، ويعتبر ظهور أغنية جديدة لها حدثا يضارع فى أهميته الأحداث السياسية الكبيرة. لا أذكر بالضبط متى بدأ هذا الوقع من جانبي، ولكني أذكر جيدا الأثر القوي الذي أحدثته فى نفسي أغنية « سلوا قلبي»، إذ أخذت أغنيها لنفسي وأرددها، وحفظت كلماتها ولحنها عن ظهر قلب.
وعندما اشترى لي أبي كمانا قديما لأبدا فى تعلم العزف عليه، علمت نفسي كيف أعزف مقاطع منها. لم يكن عزفي جيدا قط، بحيث يجذب اهتمام أى فرد فى العائلة أو خارجها، ولكن هذا لم يمنعني من العزف لنفسي، ولابد أني كنت أحصل على درجة كافية من السرور مما أفعل.
عندما أستعيد هذه الذكرى فى ذهني أستغرب جدا كيف كانت أغنية كهذه تحظى بكل هذا الإعجاب والاهتمام من الناس فى ذلك الوقت: اللغة المستخدمة هى اللغة الفصحى..
والكلمات صعبة، والمعاني عميقة، ومع ذلك كان الراديو ينقل إلينا هتاف وصياح المستمعين معبرين عن إعجاب حقيقي وليس مصطنعا. ولم تكن هذه الظاهرة استثنائية، بل كانت معاني الأغنيات بصفة عامة راقية، واللغة المستخدمة فى التعبير عنها أرقى كثيرا من المستخدم الآن فى الأغاني أو حتى فى الصحف.
استمر اعجابي وغرامي بأغنيات أم كلثوم حتى سفري للبعثة فى انجلترا فى 1958. وفى الست سنوات التى قضيتها فى انجلترا كدت أنسى تماما أي شىء له علاقة بالموسيقى العربية. كان من الصعب علينا نحن المقيمين بالخارج أن نعرف بالضبط ما ظهر من أغان جديدة فى مصر، فقد كانت محطات الإذاعة المصرية تصل إلينا بصعوبة بالغة ومشوشة وغير واضحة، حتى ليكاد يستحيل سماع نشرات الأخبار المصرية ناهيك عن الأغاني.
لم أكن أدري عند عودتي، بل اكتشفت بالتدريج أن تلك السنة التي عدت فيها إلى مصر (1964) كانت هى فى الحقيقة بداية التحول فى المناخ السياسي برمته، وأن الثورة المصرية بدأت منذ ذلك الحين تشيخ وتهرم، حتى انتهت بهزيمة 1967، ثم وفاة عبد الناصر 1970.
من الطريف أن نلاحظ اهتمام حكومة الثورة بعد عدة نكسات، بإقناع أم كلثوم وعبد الوهاب بالاشتراك معا فى عمل فني واحد، وهو ما بدا مستحيلا قبل ذلك، كان كل من أم كلثوم وعبد الوهاب حريصين بالطبع على تفرده وتميزه...
ولكن حكومة الثورة رأت فى قيام عبد الوهاب بالتلحين لأم كلثوم ما يمكن أن يضيف إلى رصيد النظام لدى الناس، وقد يساهم فى التخفيف من الشعور بالفشل السياسي. نجح النظام فى إقناعهما بالتعاون، فأنتجا أول أغنية مشتركة بينهما ( أنت عمري) فى 1964.
وحققت بالطبع نجاحا جماهيريا ساحقا، ولكنها لم تحرك عواطفي مثلما كانت تحركها أغنية جديدة من تلحين السنباطي. كان فيها أشياء مصطنعة مثلما أصبح النظام بأسره منذ ذلك الوقت،كم كانت جميلة تلك الأغاني القديمة التى كانت تثير فى نفوسنا منتهى السأم فى صبانا ومطلع شبابنا. أهي بهذا الجمال إذن أغنية
«أمتى الزمان يسمح يا جميل» لعبد الوهاب؟ كيف غاب عني هذا طوال هذا الوقت ؟ بل اكتشفت لدهشتي الشديدة ألحانا بديعة أقدم من هذا وذاك. كان خبر وفاة أم كلثوم خبرا مذهلا حقا، وكأننا لم نكن نتصور أن يصيب الموت شخصا احتل جزءا أساسيا من حياتنا منذ وعينا على أي شىء على الإطلاق.