هدأت نسبياً موجة الغضب الأوروبي جراء اعتداءات باريس الدامية في الأسبوع الأول من هذا العام. أثناء تلك الحالة الطارئة، أظهرت الغالبية الساحقة من الخليقة تضامنها مع الفرنسيين من دون أن تفرق بين الضحايا لأي سبب أو خلفية. لكن الإسرائيليين وحدهم من دون الناس أجمعين أبوا إلا التفرد لجهة تمييز الضحايا اليهود عن غيرهم، ولجهة الاستمرار في إبداء السخط والجدل حول القضية بلا توقف حتى الساعة..

والأهم أنهم اتخذوا من هذه الواقعة وسيلة لفتح مكلمة كبرى، استعادوا فيها ذكرياتهم الأليمة مع كل الأقوام، منذ زمن نبوخذ نصر إلى العهد النازي وما يصفونه بالمحرقة.

في غمرة هذا المشهد، تجلت الرغبة الصهيونية الفوارة في استثمار الحدث بفتح مناحة أو «ملطمة» مفزعة لليهود، وإثارة الرواية الممجوجة عن اللا سامية. وهكذا مارس الصهاينة حرفتهم التي أجادوها طويلاً على صعيدي الدعاية والإعلام، فراحوا يعيدون إنتاج صورة اليهودي التائه واليهودي المضطهد واليهودي البائس المنبوذ،..

ويبكتون الأوروبيين ويلومونهم على استضعاف اليهود والتنكيل بهم. ولشدة استحضار كل ما هو مؤلم في ماضي اليهود، كاد البعض أن يظن أنهم يتعرضون الآن للمطاردة في أوروبا شارع شارع؛ حارة حارة؛ زنقة زنقة..

بالنسبة لإسرائيل والإسرائيليين، تمثل هذه الصور المقبضة؛ الرهيبة، والمصطنعة بالطبع، بيئة مثالية لاستقطاب اليهود نحو دعوة الهجرة. فطالما أن اليهود معرضون دوماً للقمع والإهانة، فليس أمامهم من حل سوى المغادرة إلى «دولتهم» الوحيدة وحضنهم الدافئ في هذا العالم الظالم.

الربط بين استثارة مخاوف اليهود أينما كانوا وبين إغرائهم بالهجرة إلى إسرائيل، بات أمراً مفهوماً.. فالصهيونية تعرض «المشكلة الرهيبة» بطريقتها الخاصة، ثم إنها تتفضل بتقديم الحل المبهج في نهاية الفيلم. الجديد أن بعض الصهاينة ما عاد يكتفى بطرح هذا السيناريو المكرور حتى الملل على اليهود الأوروبيين، لكنه تعدى هذه الشريحة إلى تخويف الأوروبيين غير اليهود.

يقول أحدهم (جي بخور في صحيفة يديعوت أحرونوت) إن ما يجري من أحداث عنف في القارة العجوز راهناً، لا يشير فقط إلى تفشي اللاسامية، وإنما يحمل أيضاً معنى «الأسلمة». فالأوروبيون عنده ما عادوا يرون إلا الفلسطينيين ودولتهم العتيدة وحقوقهم، وما عادت تعنيهم حقوق اليهود.

وفى نهاية هذا التحليل السخيف ينذر صاحبنا الأوروبيين بمستقبل بالغ الغرابة. فهو يعتقد أنهم مهددون بسوء العاقبة نتيجة الأسلمة الصاعدة في ديارهم، تماماً مثل اليهود.. «.. لكن اليهود لديهم اليوم دولة يمكنهم الذهاب إليها هي إسرائيل، أما باقي الأوروبيين فإلى أين سيذهبون عندما ينفجر البركان ؟!..».

نحن هنا بصدد نموذج لا يبارى في خبثه بين يدى محاولة استفزاز المجال الأوروبي برمته وصناعة فوبيا الإسلام والمسلمين. ولنا أن نتخيل أي مكر يكمن في حشايا خطاب يتوعد الأوروبيين بالاضطهاد والتشرد وافتقاد الملاذات، تحت وطأة الإسلام والمسلمين.

اليهود عند صاحب هذا الخطاب الإنذاري هم الفرقة الناجية في المستقبل من التسونامي الإسلامي؛ الذي سيجتاح أوروبا وناسها. إنه الهوج أو الهوس بعينه في استثمار حادثة تقع مثيلاتها في طول الدنيا وعرضها، وتنال كل يوم من أناس كثيرين من مختلف الأجناس والألوان والأديان والطوائف.

لا معنى لهكذا تصور سيريالي بامتياز سوى أن هناك من يؤمن باليهودي المختار، المميز؛ الذي لا ينبغي أن تأتيه المخاطر من بين يديه ولا من خلفه..

اليهودي الذي سينجو إلى دولته يوم لا يجد الآخرون ملاذات آمنة لهم. ومع قناعتنا بأن الحماقة أعيت من يداويها، إلا أننا مضطرون إلى تذكير العاملين على دق هذا الإسفين بين أوروبا والمسلمين، بأن الدولة التي يزعمونها ملجأً مقدساً لليهود ليست كذلك على الإطلاق، وأنها لا تشكل الخيار الأمثل لمن تستهويهم المغادرة من الأوروبيين اليهود أنفسهم، وتسأل عن ذلك دوائر الهجرة في كندا والولايات المتحدة.

اتساقاً مع هذا النموذج الكوميدي، يحق لنا أن نلوم صاحب هذه الموعظة على بخله ونذالته مع من يعظهم ويحرضهم.. فهو لم يدعو الأخوة الأوروبيين، ولو من باب الإنسانية، للجوء إلى دولته الآمنة يوم تقع الواقعة ويغزوهم المسلمون.

ترى هل نسى هذا الداعية، ولعله الداهية، أن بعض الأوروبيين ساهم في إنشاء دولته بالفكر والنظرية وبالفعل والممارسة؟ وإذا كان الأمر كذلك، ألا يحق لهؤلاء الطيبين، من غير اللاساميين الأوغاد، أن يستضافوا في الملاذ الإسرائيلي من باب رد الجميل؟!