تُطِلُ علينا في الغد تظاهرة عالمية ولدت ونمت وأزهرت أغصانها في إمارات الخير، وأصبحت هذه التظاهرة والمسماة بـ«القمة الحكومية» مرجعيةً لقياس كفاءة الحكومات ومنصةً كبرى لعرض أهم التحديات العالمية وآخر ما استجد من أفضل الممارسات التي ساهمت في التحليق بمتبنيها ومطوريها من الحكومات ومؤسسات الأعمال إلى عوالم أرحب في فضاء الحضارة والمدنية.
ستختص هذه الدورة بحدث مهم، ألا وهو كون الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان المتحدث الرئيسي لليوم الأول من القمة، وهي مناسبة ينتظرها الجميع للاقتراب من الفكر القيادي المتفرد لسموّه، والذي خلق برؤيته وخططه التنموية نقلة نوعية هائلة لإمارة أبوظبي تحديداً ولدولة الإمارات على وجه العموم..
إضافة إلى وجود عدد كبير من النخب السياسية ورجالات الأعمال وأرباب الفكر وأباطرة الإعلام ما سيشكل ثروة معرفية غير مسبوقة خلال أيام القمة الثلاثة، ويجعل التفريط في الاستفادة القصوى من هذه التظاهرة أمراً لا يجدر بمن يريد منافسة الكبار في النتاج الحضاري.
كتبتُ قبل عام وإثر الدورة السابقة للقمة الحكومية مقالاً بعنوان «الضيوف دوماً» عمّن يأتي لمجرد الحضور فقط والبحث عن البرستيج والتقاط الصور ومسابقة الحضور بالتصفيق لا غير..
وكم أتمنى أن تختلف الآية هذه المرة، فنحن نحتاج إلى من يأتي وقد عقد العزم على أن لا تفوته شاردة من جوانب ما سيطرح من فكر وتجارب ومعارف إلا واقتنصها لمحاولة الاستفادة منها في عمله وما يمكن أن يجعل مؤسسته أكثر فعالية وأكثر مساهمة في تقوية مركز الدولة التنافسي، فكل موظف صَغُرَ أم كَبُر على ثغرٍ من ثغور دولته، والوطنية الحقة تكون بالعمل وليس بالإنشائيات وبطولات الورق والشاشات.
فنحن نحتاج كما قال «فزّاع» في قصيدته : «قلم رصاص وذهن صافي وبرّاية»، ولا نحتاج لمن يأتي وأقصى طموحه أن يزاحم الآخرين على المقاعد المتقدمة و«يزعل» إن وجد مقعده متأخراً، حيث لا تستطيع فلاشات الكاميرات من التقاط «طلّته المباركة» مهما تطاول وتمايل يميناً وشمالاً، ولا نحتاج من يفوق الآخرين ليس في النقاشات البناءة ...
ولكن في توزيع بطاقته الشخصية التي تحمل مسمّاه الوظيفي بخط كبير يقول حجمه بأعلى الصوت «شوفوني تراني أرباب كبير»، ولا نحتاج لمن يحضر وقد اتقد حماسه لا في تدوين مبتكر الأفكار أو آخر التجارب الناجحة أو مُلهَم الرؤى ولكن في التصفيق كلما توقف المتحدث على المنصة لالتقاط أنفاسه، والتي بدورها تقول: «شوفوني تراني فاهم شو يقول»!
لن يتحدث بو خالد ومن سيتلوه من أفذاذ التغيير في العالم وهم ينتظرون تصفيقاً، فهم في غِنى عنه، بل يريدون عقولاً واعية وآذاناً صاغية فعلاً وهمماً تخطط من فورها لأخذ تلك الرؤى والأفكار والتوجيهات لتحويلها لخطط عمل وبرامج قابلة للتنفيذ، فلم يترك سموه مشاغله ويخصص هذا القدر من وقته الثمين إلا رغبة في أن ينير لأبنائه واخوانه مسارات الدروب التي تواجهنا..
ولن نفي ذلك حقه إن اكتفينا بالتصفيق وإبداء الإعجاب فقط دون عمل، فالعالم يتغيّر بالتنفيذ وليس بالمعرفة المجردة والمستقبل سيؤول لأصحاب القرارات لا أصحاب الدراسات المركونة على الرف.
إن المعرفة وحدها ليست غاية، بل الغاية تحويل تلك المعرفة إلى عملٍ منفَّذ، فـ «روشتة» الدواء لن تشفي مرضك إن لم تتحصَّل على ما بها من أدوية وعقاقير..
ومجرد معرفتك بألف وصفةِ طهيٍ لأطباق لذيذة لن تشبع جوعك إن لم تقم بالطبخ فعلاً، وإلمامك بمؤشرات الأداء المختلفة ونظريات الإدارة الحديثة لا تعني شيئاً إن لم تمارسها حقاً في مؤسستك وتجعلها ركناً أساسياً من ثقافة العمل، فالمبادرة أمرٌ حتمي والفعل مطلبٌ غير قابل للنقاش حوله، ودورنا أن لا نتوقف عن العمل ودوام المحاولات لخلق غدٍ أجمل للواقع الجميل أصلاً...
وليس مقبولاً منا إطلاقاً مراقبة الآخرين وهم يحلقون عالياً والاكتفاء بحفظ جميل المقولات وآخر النظريات وأنجح التجارب دون محاولة الاستفادة منها، وكما قال الفيلسوف الانجليزي السير فرانسيس بيكون: «في مسرح الحياة، وحده الله من يحق له المشاهدة فقط».
نتمنى أن يحضر من يستطيع فعلاً تحويل المعرفة إلى خطط عمل فورية، فتحديات العصر تتغيّر بشكل سريع ولا بد لها من مواكبة وسرعة تكيّف، وكوننا على المسار الصحيح لا يكفي إن كانت حركتنا أبطأ عن البقية لأنه مع الوقت سيتجاوزنا الكثيرون، فنحن بحاجة لأن نكون كما قال ستيف جوبز في نصيحته: «ابقَ جاهلاً، ابقَ جائعاً».
فالإعجاب بالنفس والرضا عن الواقع هو بداية التأخر عن الرَكْب، فمن الضروري أن نعتبر أنفسنا مازلنا في حاجة ماسة ودائمة للتعلّم، وفي رغبة أكبر لتحقيق إنجازات أكبر بكثير مما تحقق، وإن كان هناك من أسف لدينا فلا يجدر أن يكون إلا لأننا لم نبدأ مبكراً بما فيه الكفاية لدى أداء كل عمل، فالأمم تشيخ كما قال «بو راشد»..
ولا تشيخ إلا إن أغفلت التجدد الدائم والبحث المحموم عن ممكنات التفوّق، وأول هذه الممكنات هم الأفراد المبدعون، وأوجب ما علينا حيالهم أن لا نسمح باغتيال قدراتهم من صِغار العقول والباحثين عن فلاشات الكاميرات ممن لا يحمل همّاً أكبر من نفسه ولا «يتنزّل» ليتعلّم ويحمل قلم رصاص وبرّاية و«محّاية» أيضاً، وربما كان هو من يحتاج لممحاة.