أقر مجلس النواب العراقي في التاسع والعشرين من يناير المنصرم، ميزانية عام 2015 البالغة 105 مليارات دولار، بعد أن أزيلت العقبات التي أعاقت إقرار ميزانية 2014، بالاتفاق المالي الذي تم التوصل إليه بين بغداد وأربيل. وُضعت هذه الميزانية في ضوء التوقعات للدخل السنوي الذي يتأتى بالدرجة الرئيسية من عائدات تصديرالنفط، وقد حُدد السقف الأعلى لها استناداً إلى سعر 56 دولاراً للبرميل..
وبمعدل تصدير قدره ثلاثة ملايين وثلاثمائة برميل يوميا. وهناك عجز قدره 22 مليار دولار، بعد التعديل الذي أجري على الميزانية لتقليص السعر المتوقع للنفط إلى 56 دولارا للبرميل، من المستوى المفترض أصلا عند وضعها والبالغ 70 دولاراً.
هناك أمران لا يقينيان قد يؤثران سلبا على مجمل التفاصيل في الميزانية العراقية، أولهما تذبذب أسعار النفط التي قد تنخفض إلى ما دون الخمسين دولارا للبرميل، وهو أمر مرجح مع قدوم فصل الصيف وتراجع الحاجة إليه. وثانيهما قدرة العراق على تصدير المقدار الذي أشرنا إليه، في ظل الظروف الأمنية الهشة من جهة وإشكاليات العلاقة بين بغداد وأربيل من جهة أخرى.
العراق يواجه وضعاً غامضاً يصعب التكهن بمآله، فقد فرضت الأوضاع الميدانية بعد احتلال تنظيم داعش لمساحات واسعة من أراضيه، واقعا أمنيا ينبغي الاهتمام بمعالجته كأولوية قصوى، خاصة تحرير المدن الكبيرة مثل الموصل وتكريت، وهي مهام تتطلب رصد مبالغ كبيرة لتغطية نفقاتها، وهو أمر من الصعب القيام به دون المساس بمخصصات أخرى تتعلق بقطاعات التنمية والخدمات، وربما بالميزانية التشغيلية نفسها.
لقد انعكس تخفيض الميزانية سلباً على قدرات العراق على تحرير أراضيه من تنظيم داعش، فالتصدي لهذه المهمة يتطلب وضع مخصصات مالية كبيرة لتغطية محاور عديدة، أولها إعادة تأهيل وتسليح الجيش، وثانيها تدريب وتسليح ودفع رواتب الحشد الشعبي، وثالثها تغطية كلفة الطلعات الجوية لقوات التحالف، وكلفة القوات التي تقوم بتدريب القطعات العراقية وتقديم الاستشارات الميدانية لها..
ورابعها مواجهة مشكلة النازحين الذين تجاوز عددهم المليون في إقليم كردستان. وقد تضاف إلى ذلك مخصصات مالية أخرى يتطلبها وضع قانون الحرس الوطني موضع التنفيذ، تلبية للاتفاق بين القوى السياسية الذي شكلت بموجبه وزارة الدكتور العبادي.
وكان رئيس الوزراء قد صرح في وقت سابق بأن «مجلس الوزراء قرر اتباع سياسة التقشف في النفقات غير الضرورية، وسنستمر بهذه السياسة، لأننا لا نستطيع أن نقصر بالجهد العسكري والرواتب والخدمات الأساسية للمواطنين».
لا أحد يختلف مع العبادي في ما ذهب إليه، وهي خطوة في طريق الإصلاح، إلا أننا قد نختلف معه في تشخيص أدوات مواجهة أزمة العجز في الميزانية، إذ إن انخفاض عائدات النفط بما يزيد على الخمسين في المئة هو في الواقع نكسة خطيرة، وترشيد النفقات ليس بالحجم الذي يضاهي حجمها.
تصريح رئيس الوزراء يعد اعترافاً بوجود نفقات غير ضرورية، أو بعبارة أخرى وجود هدر في المال، أي وجود خلل في التخطيط وخلل في أجهزة الرقابة، ووجود خلل في الدستور نفسه الذي يخصص لبعض كبار المسؤولين مبالغ طائلة تصرف بأمر منهم وحسب هواهم دون رقيب..
ووجود خلل في العملية السياسية نفسها تتحمل مسؤوليته جميع القوى التي تدير مقدرات البلاد منذ سقوط النظام السابق. فقد بُني العراق الجديد على أسس سمحت وتسمح بانتشار الفساد بشتى أنواعه وعلى مختلف المستويات في الدولة. فإضافة إلى الهدر الكبير في الأموال العامة عن طريق السرقات المكشوفة..
والأخرى غير المكشوفة التي تتم عن طريق إبرام العقود وإرساء المقاولات واستيراد المواد الغذائية الفاسدة أو العقاقير المنتهية صلاحيتها أو الأسلحة القديمة أو تهريب النفط أو الرواتب الخيالية، هناك هدر كبير جراء التخطيط غير السليم الذي أدى إلى تضخم أجهزة الدولة وأضاف عبئاً غير ضروري إلى ميزانيتها.
المؤسسات الخدمية من حيث المبدأ، رغم أهميتها القصوى في الحياة، هي مؤسسات استهلاكية ينبغي أن تنظم بالطريقة التي تمكنها من أداء عملها بكفاءة عالية، عن طريق اختيار القيادات الملائمة واعتماد أساليب العمل المناسبة وتوفير وسائل تكاملها المثلى مع المؤسسات الإنتاجية الأخرى في الدولة.
هناك معايير دولية لهيكلة المؤسسات الخدمية، سواء كانت هذه المؤسسات تعليمية أو صحية أو أمنية، وحين يخضع ما يتوافر لدى العراق لهذه المعايير نرى مكامن الخلل بكل وضوح، ففي الوقت الذي لا تتمتع فيه قطاعات التعليم والصحة بما تستحقه من عناية واهتمام، وهما ركنان أساسيان في عملية التنمية، تضخمت المؤسسة الأمنية بشكل ملفت للنظر، وأصبحت ترهق ميزانية الدولة ومع ذلك أثبتت فشلها.
في هذا الصدد نشير إلى ما كتبه وزير النفط الدكتور عادل عبد المهدي في افتتاحية جريدة العدالة في التاسع من نوفمبر المنصرم: «تشير دراسات متخصصة إلى أن معدل العمل الوظيفي أقل من 20 دقيقة/يوم.
فاذا كانت ساعات العمل (6 ساعات = 360 دقيقة)، فمعنى ذلك أننا نستطيع الاحتفاظ بـ130 ألف موظف فقط.. سيقومون بعمل 3 ملايين موظف (4 ملايين حسب تصريحات رسمية)». إن المدخل لمواجهة جميع الأزمات التي واجهت وتواجه العراق، هو إصلاح النظام السياسي الذي تأسس على مبدأ المحاصصة العرقية والطائفية.