لعل علماء الاجتماع بمختلف فروعه، وخاصة علم الاجتماع السياسي وعلم النفس الاجتماعي، سيجتهدون كثيراً ولسنوات طويلة في محاولة البحث عن إجابات شافية لهذا التساؤل الشائك، فالذين انقلبوا على الرئيس حسني مبارك وفجروا ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011، تراوحت أعمارهم بين السابعة عشرة والثلاثين من العمر.
أي أنهم جميعا من مواليد عصر مبارك، بمعنى أنهم جاءوا إلى الدنيا وتفتحت عيونهم ونضجت أفكارهم وتكونت ثقافتهم في ظل سنوات حكم اتسم في بعض مراحله بالقمع الأمني والقهر السياسي وديكتاتورية التوريث، فضلاً عن الفساد السياسي والاقتصادي والتفسخ الاجتماعي.
وكان من الطبيعي في ضوء تلك المدخلات، إفراز أجيال مشوهة أكثر استيعابا للحياة القهرية والتعود على الفساد بأشكاله المتنوعة، وليس التحلي بنزعة التمرد أو بالروح الثورية التي شهدناها في أيام ثورة يناير 2011.
ولكن هؤلاء الشباب خطوا لأنفسهم نهجاً مختلفاً، وبالفعل خيبوا كل الظنون، ونجحوا في فطام أنفسهم ومعهم المجتمع المصري، عن النظام الأبوي الذي هيمن على حياتهم وجثم على صدورهم، فقادهم إلى مجتمع بعيد كل البعد عن أحلامهم في حياة أكثر تحضراً وتقدماً، وفرص أفضل في العمل والمعيشة والتعبير عن أنفسهم بحرية، في مجتمع يعرف لحقوق الإنسان قيمتها الحقيقية.
كل هذا، أو للإنصاف معظم هذه المقدمات، كانت مفقودة في عصر مبارك، فخرج الشباب يبحثون عنها فوجدوها في عالمهم الجديد الذي جعلهم على خط واحد مع المجتمعات الأكثر تحضراً وتقدماً، وهو عالم الفضاء الإلكتروني الذي عرفوا من خلاله القيم الكونية الجديدة، التي تضع حقوق الإنسان في صدارة مهام الحكومات والنظم.
ولا شك في أن نظام مبارك انفصل عن أجيال الشباب ولم يقترب من أحلامهم ولا أفكارهم, فانصرفوا هم أيضاً عنه ودخلوا عالمهم الكوني الجديد الذي جعلهم يشعرون بالغيرة على بلادهم، ويشعرون بـأن وطنهم يسرق منهم وهم الأحق به، فخرجوا بقوة يدافعون عنه وعن كينونتهم ومستقبلهم.
أثبت شباب الخامس والعشرين من يناير أن الإنسان لا يولد وبداخله جينات الخنوع وقبول القمع والقهر والديكتاتورية واستمراء الفساد، ولكن الفطرة السليمة تجعله بالتأكيد أكثر تطلعاً للحرية والعدل والمساواة، وهي المبادئ الأولية للديمقراطية وحقوق الإنسان.
قد تجلي تلك الكلمات بعض الغموض عن أسباب انقلاب أبناء مبارك عليه، ولكنها بالتأكيد لا تقدم إجابات شافية وافية لكل التساؤلات، وربما نجد تلك الإجابات عند أهل الاختصاص الذين هيأت لهم ثورة الخامس والعشرين فرصة ذهبية تاريخية لصياغة نظريات جديدة في العلاقات المجتمعية، أو على الأقل إعادة قراءة الكثير من المسلمات، وخاصة ما يسمى بالثوابت حتى داخل الأسرة الواحدة.
الواقع أن كل تلك التطورات لم تنبع من فراغ، فقد سبقها كثير من الرسائل المتنوعة والمبكرة، غض النظام بصره عنها وصم آذانه عن سماعها أو حتى التفاعل معها واتخاذ ما يلزم لتجنب الأسوأ.. هذه الرسائل لم تكن على مستوى واحد، ولكن يمكن القول أنها جاءت على مستويات متنوعة حياتية وسياسية.
أما الحياتية التي هي جزء لا يتجزأ من القدر العلوي، فتمثلت أساساً في حادث المنصة واغتيال الرئيس السادات عام 1981، وكان كتفه ملامساً لكتف نائبه حسني مبارك الذي يبدو أنه لم يتعظ من هذا الحادث المأساوي، وكان بمثابة رسالة مبكرة جداً يجب أن تبث العظة والعزوف عن السلطة في نفس كل طامح فيها، أو ممارستها بكثير من الحكمة والعدل.
وجاءت الرسائل الحياتية التالية في محاولة اغتيال مبارك نفسه في أديس أبابا عام 1995، وما أشيع عن محاولات اغتيال أخرى في مناسبات مختلفة، والتي كان يجب أن تكون نبراساً له لمزيد من الإصلاح والنزوع نحو تداول السلطة، ثم تلك الرحلة العلاجية الطويلة إلى ألمانيا وما تردد عن إصابته بسرطان الجهاز الهضمي، وقبل ذلك الرسالة الأهم بترنحه واقترابه من السقوط في الخطاب الافتتاحي لبرلمان 2005 واضطراره لقطع كلمته لتلقي العلاج.
ثم جاءت الرسالة الأقوى من خلال الثورة التونسية واقتلاع الرئيس زين العابدين بن علي، الذي يبدو أنه كان صورة «كربونية» من مبارك في الشخصية والممارسات والسياسات، ولكن كل هذه الرسائل الحياتية لم تصل «إلى الوالي»، عفواً إلى الرئيس السابق.
الشيء نفسه يمكن قوله عن الرسائل السياسية التي بثتها قوى المعارضة بشكل دائم، والتي أخذت في التصاعد منذ الثمانينات إلى التسعينيات وحتى العقد الأول من الألفية الجديدة، وكلها رسائل كانت تحمل مضامين غاية في القوة، وتعكس جميعها حالة التردي المتواصل التي تتعرض لها مصر وتقودها إلى هوة سحيقة.
حقيقة الأمر أن شخصيات عظيمة وأسماء لها مكانتها تحملت عبء الدخول في مواجهات حادة مع النظام، وقدمت أكثر من خطة وأكثر من وصفة للدولة لتجنب السقوط بمصر إلى الهاوية، وقد بح صوتهم من كثرة التحذيرات التي أطلقوها منبهين إلى خطورة الأوضاع في مصر، وكانوا قد بدأوا قبل سنوات مع آخرين، وخاصة أعضاء حركة «كفاية»، في دق ناقوس الخطر وبعث رسائل التحذير، ولكن النظام لم يسمع ولم يقرأ ولم يرغب في أن يرى، واستفاق على ضربات الشباب صباح يوم الخامس والعشرين من يناير، ولكن بعد فوات الأوان.