تتطور الوظائف التي تؤديها وسائل الإعلام في المجتمع، وفقاً للمرحلة الحضارية التي يمر بها أولاً، ثم الظروف المحيطة والتحديات التي تواجه المجتمع، فضلاً عن تطور الوسائل الإعلامية ذاتها، سواء في الجانب التكنولوجي أو ظهور أشكال جديدة للاتصال تتطلب مواكبتها أو الاستفادة منها.
ولأن التخصص أصبح سمة أساسية للأداء الإعلامي، سواء من ناحية المضمون، حيث أصبح هناك الإعلام الرياضي والسياحي، والفني، والصحي إلى غير ذلك، أو من ناحية الجمهور سواء إعلام الطفل أو المرأة أو الشباب؛ أي أن الإعلام النوعي أصبح سمة أساسية لعصرنا، نظراً لتعقد وتشابك القضايا الحياتية التي تواجه مجتمعاتنا، والتي تحوي تفاصيل كبيرة تتطلب التعامل معها عن قرب.
ولأن الحاجة إلى الأمن ليست مطلباً ترفيهياً، قد يحتاج إليه البعض دون غيرهم، لكنه أساس مجتمعي ومن دونه لا يمكن أن تستقيم الحياة، وهو أول ما بدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال في حديثه الشريف «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِناً في سِرْبِهِ مُعَافى في جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا».
وبدأ الرسول الكريم بالأمن لأنه الأساس الذي يبنى عليه ما سبق، فمن غير الممكن أن تحدث تنمية في أي من مجالات الحياة دون أن يسبقها مناخ آمن، كما أنه لا قيمة لتحقيق أية إنجازات، ما لم يصحبها أمن، يمكن من الاستفادة منها والاستمتاع بثمراتها، فضلاً عن أن الفرد لا يمكن أن يبدع بالأساس أو يبتكر في مجتمع غير آمن، لذا فإن الأمن حاجة من الحاجات الأساسية التي يسعى الفرد إلى إشباعها، وهو ما ينعكس على تصرفاته وصحته النفسية وعلاقته وسلوكه مع الغير.
ولأن الأمن قضية متكاملة، تلعب فيها عناصر النظام المجتمعي وهيئاته أدواراً متعددة سعياً إلى ترسيخها، وباعتبار أن الإعلام أحد أهم النظم الفاعلة في المجتمع تأثيراً وتأثراً، لذا كان وجوب بناء نظام إعلامي أمني فاعل، لا يقل في تأثيره عن الإجراءات القانونية التي يتم اتخاذها، لمواجهة السلوك المرفوض مجتمعياً.
وفي تقديري أن الإعلام الأمني ليس فقط الصادر عن الأجهزة أو المؤسسات الشرطية، بل هو الإعلام الذي يحمل مضمونه رسالة واضحة صادقة محددة قادرة على ترسيخ الشعور لدى الفرد بأنه آمن على نفسه وماله وعرضه، هو الإعلام الذي ينمي الوعي لدى الفرد بالتحديات التي تواجهه.
سواء أكان ذلك على مستوى الدائرة الضيقة المحيطة به أم على مستوى الوطن، كما أنه الإعلام الذي يلقي الضوء على الأدوار التي يجب أن تقوم بها مؤسسات التنشئة الاجتماعية، مثل الأسرة والمدرسة والجمعيات الأهلية، في تحمل مسؤوليتها الوطنية تجاه بناء المجتمع، وهو لا يكتفي فقط بمد الفرد بالمعلومة الصحيحة أو تغطية الأحداث بصدق وموضوعية، لكنه إعلام سابق دائماً بخطوات، ذلك أن الحدث الأمني يسعى صاحبه غالباً إلى إخفائه.
وتسعى وسائل الإعلام إلى البحث عنه، ويسعى الجمهور إلى معرفته، كما أن المعلومة التي يبثها الإعلام ينبغي التعامل معها باحترافية شديدة ودقة متناهية ووضوح لا يحتمل التأويل أو الفهم الخاطئ، فضلاً عن أهمية التحليل والتفسير والمتابعة حتى تستكمل الجماهير القصة الخبرية من مصادرها الموثوقة بعيداً عن التلوين والتحوير التي قد تقوم به أطراف أخرى لها أهداف تسعى إلى فرضها.
الإعلام الأمني هو الذي يصنع التوازن بين الإعلام التجاري، الذي يسعى إلى تحقيق الربح، وبين تحقيق رسالة الإعلام في تحقيق الاستقرار والتنمية المجتمعية، وهو القادر على بث الطاقة الإيجابية في الفرد واستنفار طاقاته ليصبح له دور فاعل في الحفاظ على مكتسبات وطنه.
وهو القادر على بناء حس وطني لدى الفرد يجعله قادراً على الفعل بما يخدم قضايا وطنه والتصدي لكل الرسائل الإعلامية المنحرفة التي تهدف إلى نشر الشائعات أو النيل من متانة النسيج الاجتماعي، كما أنه يمثل القوة الناعمة للمؤسسة الأمنية باعتباره نوعاً من الردع عبر الوعي، وهو الذي يحتاج إلى عمل شاق وجهد أكبر، وكما يقال «درهم وقاية خير من قنطار علاج».
وهو الإعلام القادر على بناء الفرد ذاتياً وتنمية قدراته النفسية للتصدي للرسائل الإعلامية التي تضع «السم في العسل»، وأن تصبح لديه قدرة انتقائية يستطيع من خلالها التمييز بين الصالح والطالح، في عصر تعددت فيه أشكال وتقنيات الاتصال ما بين وسائل تقليدية وإعلام جديد يتخذ من وسائل التواصل الاجتماعي مجالاً يصعب معه تحديد المصدر والتأكد من مصداقيته.
مما يؤكد أهمية نشر المعلومة الصحيحة في الوقت المناسب دون إفراط أو تفريط، ليلتصق به الجمهور ويرتاده الفرد حين تختلط الأمور ويشكل عليه الوصول إلى حقيقتها.
وهذا يتطلب تطوير أدوات التواصل في الإعلام الأمني عبر وسائل الإعلام الجديد بما يتيحه من سرعة بث الكلمة والصورة، التي يتابعها في اللحظة ذاتها قطاع كبير من الجمهور وخاصة الشباب، لذلك فإن أهمية الإعلام الأمني تتعاظم حين يتيح آفاقاً كبيرة للتعاون بين مؤسسات الدولة وصولاً إلى المصلحة الوطنية العليا، التي تنأى بالفرد عن الوقوع في براثن كل طامع أو حاقد أو متربص سواء مادياً أو فكرياً.
غير أنه من الأهمية بمكان تحديد الأوتار التي تستخدمها الرسالة الإعلامية الموجهة للجمهور، سواء تعلقت بالتعبئة ولفت النظر إلى القضايا المهمة أو التي تتطلب التنبيه والتحذير، ذلك أن الارتفاع بسقف التحذير قد يصيب الفرد باللامبالاة، لذلك يجب التعامل بدقة شديدة مع مضمون الرسائل الموجهة للجمهور، كما أنه لا يكفي أن نبعث برسائل تنبيهيه فقط، ولكن من الأهمية بمكان طرح مجالات للسلوك الواجب على الجمهور اتباعه وما ينبغي القيام به لتجنب الأخطار التي تواجههم.
إن التوعية الأمنية، وتعريف الجمهور بالمؤسسات الحافظة لحركة المجتمع والضامنة لمكتسباته، وكذلك تعريف المؤسسات الأمنية بالجمهور، هو فرض عين على الرسالة الإعلامية، ووظيفة من أهم وظائف الإعلام الأمني باعتباره ركيزة من ركائز المجتمع.