المأساة السورية بين الواقع والحلول

ت + ت - الحجم الطبيعي

من المسائل الكثيرة جداً التي تحتاج إلى حلول جدية، ما نلاحظه من تناقض بين تدني سوية الحلول التي تقدم للكارثة السورية، وبين تصاعد هذه الكارثة، حتى ليصح القول: بقدر ما يزداد الوضع تراجعاً وسوءاً، بقدر ما تتراجع سوية الحلول التي تقدم له، وتنخفض قابليتها لإيقاف حمام الدم السوري وتحقيق مطالب الشعب.

يصعد النظام هجماته في كل مكان، ويعلن بلسان رئيسه تصميمه على جعل هذا العام سنة الحسم، ويقول مندوبه في الأمم المتحدة إنه يرفض وثيقة جنيف-1، بينما يستعين بالاحتلال الإيراني لجعل أميركا تقبل وجوده، ضمن صفقة تفاهمها الجديد مع طهران، في حين يكثف غاراته إلى درجة تثير الشكوك في امتلاكه عدداً من الطيارين السوريين، يمكنه من شن نيف ومئة غارة كل يوم، ويقيم قواعد عسكرية بديلة لتلك التي سقطت في أيدي الجيش الحر أو داعش أو النصرة. في المقابل، تستغيث «القوى المعتدلة»، مطالبة بقدر من الدعم يجعلها عصية على السحق بين حجري رحى النظام من جهة، وداعش من الجهة الأخرى.

عوض أن يفضي هذا التطور المليء بالتصعيد والمجازر، إلى تسريع عملية السلام، وتكثيف العمل لإيجاد حل سياسي تكون حظوظه أكبر من تلك التي كانت بانتظار جنيف-2، يحدث العكس، فتتراجع الحلول من التفاوض إلى مرحلة متدنية من حوار لا برنامج أو جدول أعمال له، يديره معارضون لا يمثلون الكثير في واقع سوريا السياسي والعسكري، فكأن المعارضة لا تستطيع التحاور دون وساطة أجنبية أو عربية، أو كأن الحوار في موسكو بين بعض أطرافها الهامشيين وبين النظام، يكفي لفتح طريق الحل الذي أغلقته موسكو نفسها بالتفاهم مع إيران والأسد، أو كأن الحوار مع النظام سيقنعه بالتخلي عن خطه الاستراتيجي الذي اعتقد أنه سيقضي بواسطته على ثورة الحرية، ويقوم على استعمال العنف وتحويله إلى حل عسكري معاكس بنسبة مئة في المئة لأي حل أو مسعى سياسي، مهما كان محدوداً وواعداً.

كلما ارتفع سقف القتل انخفض سقف الحل، حتى بدأنا نواجه متاهة قد تجرنا إلى حيث لا نريد، بحجج ومبررات تبدو إنسانية وحريصة على قطاعات واسعة من الشعب، تتحدث عن ضرورة وقف شلالات الدم، واستعادة الحياة الطبيعية، رحمة بالبلاد والعباد، لكنها تستغل لأغراض ومقاصد لا علاقة لها بالناس وحياتهم الطبيعية، وتستخدم لتبرير مواقف تبلبل السوريين وتريح النظام، لن تفضي إلى رفع سيفه وسيوف المرتزقة الذين استقدمهم إلى بلادنا عن أعناق مواطناتنا ومواطنينا، وستبعدنا عن السلام. ومن يتابع مسار الأحداث، سيجد أن عنف النظام وإجرامه تصاعدا بقدر ما تراخت مواقف بعض معارضيه في الداخل والخارج.

لا نريد من تركيزنا على هذه السيرورة المتناقضة، تشجيع التشدد أو التخلي عن الحل السياسي، بل وقف تدهور أوضاع المعارضة، الذي سيتحول إلى انهيار تام في حال لم يبادر طرف ما إلى كبح ميلها الراهن إلى الانتحار، ومواجهة سياسات النظام الميدانية والتصعيدية، وإذا لم نسارع مجتمعين إلى وضع حد لتناقضاتنا وخلافاتنا وانقساماتنا، ولم نبلور مواقف موحدة من قضية السلام، ونفهم أنها قضية الثورة والسياسة المركزية، وأن العالم يستغل غياب وحدتنا حيال سبل بلوغ الحلول السياسية وأهدافها النهائية، كي يتلاعب بنا وبقضيتنا، ويتقدم بعروض تصلح لحل خلاف على مباراة طاولة زهر، ولا تصلح إطلاقاً لتسوية صراعات أدت إلى حروب لا تني تزداد ضراوة ووحشية واتساعاً، وليس هناك حتى اليوم من يرغب جدياً في إيقافها، ويجعل قفز بعض الهامشيين عن الجوامع الوطنية، مجمل المعارضة أشد عجزاً عن حماية شعبنا منها!

طباعة Email