بيان تنويري ثان

ت + ت - الحجم الطبيعي

كان الفيلسوف هيجل قد ذهب، محقاً، إلى ذلك المعنى، حينما ربط بين الحرية وبين الإنسانية، فالحرية هى حركة الروح على طريق الوعي بالذات، ومن دونها يتحول الإنسان إلى جسد محض، شيء يمكن استعماله، ما يحيله عبداً يمكن امتلاكه.

العبودية هنا ليست هى الرق الموروث من عصور قديمة، حينما كان الجسد يباع ويشترى صراحة، بل صارت أشكالاً عديدة يزخر بها عالمنا الحديث، حيث تباع الأرواح وتشترى الضمائر وتُسلع القيم.

حاول هيجل أن يفسر مفارقة العبودية والسيادة، فأرجعها إلى تلك اللحظة التى عجز فيها إنسان عن مقارعة آخر أقوى منه، رفع السيف فى وجهه، فالعبودية للسيد أصبحت بديلاً عن الموت بالسيف، وهو الاختيار الذى ساد جل التاريخ الإنسانى، حيث الوجود أمر بيولوجي، فإن تكون موجودا يعني أن تكون حياً وفقط، قبل أن تولد حساسية جديدة تمنح للوجود جوهراً سيكولوجياً، فلا يكون الإنسان موجوداً ما لم يكن حراً، على نحو أفضى إلى ميلاد ثنائية حديثة تفترض التناقض بين طرفي معادلة: الحرية ـ الموت، بديلاً عن الثنائية الموروثة التى كانت تفترضه بين طرفي معادلة: الحرية ـ العبودية.

لا تعني الثنائية الحديثة أن يموت غير الحر بيولوجياً، قتلاً أو انتحاراً، بل يموت نفسياً وأخلاقياً، عندما يعجز عن تمثل أعظم ما فيه، وهو ملكاته الإبداعية الحرة، فالموت هنا ثقافي/ حضاري، ولهذا فإن الأحرار فقط يتقدمون، وغيرهم يتأخرون، يموتون يوماً بعد يوم من الفقر والجهل والمرض، مصفدين بأغلال الاستبداد.

وفى المقابل تؤكد تلك الثنائية على أن الحرية لا يمكن أن تكون طرفاً نقيضاً للأمن فى معادلة سياسية صحيحة، فالحرية محض ثمرة للأمن، فإن لم يتحقق الأمن ماتت الحرية تحت سنابك قانون الغاب وشريعة القوة وروح البداوة الهمجية. وإذا وجد الأمن من دون حرية فلا قيمة له، إذ لا فارق جوهرياً بين أن يقتلك اللص، أو ينقذك منه الشرطي، فارضاً عليك الحياة فى كهف خشية لص آخر، ففي كهف الخوف يتساوى الوجود مع العدم، وتتماهى الحياة مع الموت.

يتعين علينا أن نطرح أسئلتنا على دائرة الحكم التي لم تصبح نظاماً بعد: لماذا ثرنا وما الذى حصدنا، وما الطريق إلى المستقبل، وهل هو معبد بالحرية المؤسسة على أمن شامل عميق، سياسي واجتماعي واقتصادي ونفسي، أم هو الأمن وحده، في طبعته السياسية؟ إذا كانت الحرية حلمنا ومطلبنا، فليس الطريق الذى نسير فيه الآن هو الأسرع فى الوصول إليها، ولا المستقيم فى التوجه صوبها، حيث البعض من نخبة 25 يناير النشطة لايزال خلف القضبان، ويدخل القسم الأكثر أصالة من نخبة 30 يونيو تباعاً إلى دائرة الشك وفلك الاغتراب، بعد أن تم تجفيف منابع السياسة، وتراجعت التعددية، وانبرى القسم الأكثر زيفاً ونفاقاً من رجال كل العصور فى حرب إعلامية غايتها التكفير السياسي، والإقصاء الوطني.

وفي موازاة ذلك تُجرى محاولات يائسة لقولبة البرلمان القادم، فى هيكل أحادى يقوم على بنائه رجل كبير كانت له أدوار مشهودة فى الماضي، ولكن الزمن تجاوزه، بينما الأجيال الجديدة، التي صنعت الفوران الكبير لاتزال معطلة، إذ لم تتعلم الدرس بعد، ولم يتسن إدخالها إلى بيت طاعة جديد، يضبط حضورها المستقبلي بميزان حساس، يدعوها حين يكون ولاؤها مضمونا للتصفيق، ويستبعدها حينما تلوح بوادر استقلال ومخاطر تمرد، لأننا دائماً في تلك اللحظة الصعبة التي لا يجب أن يعلو فيها صوت على زئير المواجهة مع الإرهاب أو الإخوان.

ما تشي به التجربة الإنسانية، ويكاد ينطق به التاريخ، أن المتطرفين والظلاميين، لايعيشون سوى في الكهف، وأن مقتلهم الحقيقي هو نور الحرية، فإذا ما فتحت الشبابيك، ودخل الضوء مات الظلامي مثل فطر، وهرب المستبد مثل جبان.

أما محاولة اختطاف الوطن، وتحقير الحرية، فمصيرها الفشل. حدث ذلك سلفاً للشيوعية السوفيتية، والنازية الألمانية، والفاشية الإيطالية.. وسوف يحدث تالياً، حيثما تنفى الشعوب إلى كهوف الاغتراب، وما نرجوه اليوم أن لاتكون مصر مثالاً جديداً لهذا البؤس التاريخي، فالجماهير التي هجرت الشارع محبطة، والقوى المدنية التى عطلت فعاليتها مجبرة، هي الرصيد الحقيقي لحكم الثلاثين من يونيو.

طباعة Email