حين سقطت الدولة العراقية في التاسع من أبريل 2003 بفعل الغزو الأميركي أملَ الحريصون على مستقبل العراق وشعبه أن تكون النخب السياسية التي وصلت لسدة الحكم بالمستوى الوطني والمهني الذي يؤهلها للتصدي لمهمتين رئيسيتين، أولهما إعادة بناء الدولة العراقية على أسس مدنية حديثة وثانيهما ترميم العلاقات المجتمعية التي لحق بها الكثير من التهتك.

إلا أننا نجد بعد مرور اثنتي عشرة سنة على التغيير بأن الجهود التي بذلت لتحقيق ذلك لا تكاد تذكر وأن هناك فشلاً مطبقاً على المحورين ولا تفسير لذلك سوى أن مصالح هذه النخب تكمن في بقاء الوضع الذي يتسم بالتفكك والتشتت على حاله لأن ذلك يديم نفوذ ومصالح القيادات الطائفية والمناطقية والقبلية التي تمثلها هذه النخب.

العراق بلد يزخر بالكفاءات التقنية والثقافية التي تسمح للقيادات الجديدة الركون إليها لإنجاز المهمتين اللتين أشرنا إليهما وقد عاد الكثيرون من هؤلاء من المهاجر في شتى البقاع للإسهام بعملية البناء إلا أنهم وجدوا الطرق أمامهم غير سالكة لأن الآليات المعمول بها لا تسمح بوجود متنورين ومستقلين رغم الكفاءات التي يتمتعون بها بل تسمح لغيرهم ممن ينتمي إلى التنظيمات المهيمنة على مفاصل الدولة.

الدولة ومنذ زمن بعيد لا ينظر إليها السياسيون في العراق باعتبارها كياناً اعتبارياً يمتلكه الشعب كله وأداة لتوفير الخدمات الضرورية وتنظيم العلاقات بين أفراده وفق دستور أقره الشعب وليس من حق أحد، أفراداً أو أحزاباً أو طوائف، ركوبها والسيطرة عليها أو على بعض مؤسساتها. فقبل التغيير كان النظام السياسي مهيمناً على الدولة بكامل مفاصلها فقد كانت ملكاً للحزب الواحد. أما بعد عام 2003 فإن هيمنة النظام السياسي عليها لم تنته على الرغم من أن ملكيتها قد توزعت بين النخب المشاركة في العملية السياسية.

ووفق هذه الصيغة التي تشرعنت بفعل المحاصصة، لم تسلم المنظمات غير الحكومية أو ما يعرف بمنظمات المجتمع المدني من هيمنة هذا النظام السياسي مما أفقر الحياة المدنية وهمش دور الثقافة التي كانت مصدر التوحيد وصناعة الهوية الوطنية لصالح ثقافات هذه النخب. فهناك إصرار على استبعاد الشريحة المثقفة والمتنورة من الشعب الأكثر التصاقاً بخلجات الوطن والأكثر قلقاً على مستقبله.

فالثقافة إضافة لكونها أداة فعّالة لصقل المواهب الفردية وتنميتها تُسهم إيجاباً في توجيه أفكار الجماعات والشعوب وتساعد في إبراز مكامن قوة المجتمع وعقله الجمعي ودفعه نحو الإصلاح...

وهو ما يحتاجه السياسي. المثقف لا يدبج المدائح للحاكم ولا يترصد المآخذ والزلل لينال منه لأن الثقافة روح إيجابية تتطلع نحو المستقبل، نحو البناء والتقدم، فالمثقف ليس بحاجة للسياسي قدر حاجة السياسي له إلا أن سياسيينا أثبتوا أنهم قاصرون عن تفهم حاجاتهم.

لسنا بصدد الدخول في التفاصيل التي تتعلق بالعلاقات الشائكة بين المثقف والسياسي وتقييم حجم الدور الذي يلعبه من يمتلك سلطة القرار والدور الذي يستطيع أن يلعبه من يمتلك سلطة التأثير في الرأي العام، إلا أن مما لا جدال فيه أن الثقافة لها دور بارز في تأهيل السياسي ليمارس مهامه بنجاح لأنها لا تتعلق فقط بالجانب الذي يختص بالمعرفة قدر ما تتعلق بما لهذه المعرفة من صلة بالحياة.

فالثقافة هي التي تهيئ السياسي لتفهم الأطر الفكرية التي شكلت معالم الحاضر الذي نعيشه على أصعدة دولية وإقليمية ومحلية والتعرف على الأطر التي تتحكم بمعالمه وترسم مسيرته نحو المستقبل. وهي التي تؤهله ليمتلك رؤية فيها قدر من الشمولية يكون في حاجة ماسة إليها حين يواجه مواقف تتطلب معالجتها توافر رؤى غير تقليدية تُستلهم من خزين الثقافة المستنيرة وعالمها الفسيح الذي يغرف من أفكار التيارات الفكرية المختلفة ...

ومن مسيرات الحركات الإصلاحية المتنوعة ومن تجارب الأمم الأخرى عبر التأريخ والتي أنجزت ما يمكن اعتباره ظواهر إيجابية أغنت الحياة ودفعتها للتقدم، فللثقافة دور قيادي في نهضة المجتمع وتطوره وارتقائه في شتى المجالات. المثقفون ليس لهم مكان على طاولة الحوارات حول حالة البلد ومستقبله فليس هناك من يستمع إلى ما يقولونه ولا يقرأ ما يكتبونه، لأن عرابي الطوائف وليس سياسييها هم من يرسم المعالم الأساسية للعملية السياسية.

إن تقوقع عقلية السياسي، وهنا لا نتحدث عن شخص معين، في أطر فكرية ضيقة تعزله عما يحيط به وتبعده عن الاهتمام بما طرأ على الفكر والممارسات السياسية والمجتمعية والقيمية عالمياً من تغييرات لصالح مناهج حياتية جديدة منحازة للإنسان ولطموحه وأحلامه، مناهج تصلح للفرد وللمجتمع وتصلح قبل كل شيء لنظام الحكم. هذه المناهج لم تعد خياراً بين بعض الممكنات الصالحة للتطبيق قدر ما هي ضرورة تتراجع أمامها بقية المُمكنات خاصة في الظروف التي يمر بها العراق.

أبرز خصائص مناهج الحياة أنها تعمل على نشوء وتعضيد قوة ردع غير منظورة في النسيج الاجتماعي تجعل مكونات المجتمع، وبشكل طوعي، أقل رغبة في السعي نحو نشر المعتقد الخاص بها وأقل رغبة للخوض في صراعات بسببه.

وحين يكون السياسي في موقع صناعة القرار تتعاظم مسؤولياته خاصة حين يواجه قضايا خطيرة تتعلق بالسلم الأهلي ووحدة البلد، فالتمسك بالأطر الفكرية الضيقة وإصدار القرارات انطلاقاً منها لا يلحق الضرر به على المستوى الشخصي قدر ما يلحق الضرر بالمجتمع الذي سيصبح ضحية ضيق أفقه.