ذاب الثلج، شبعت الأرض من ملحه والسدود من مائه، برد من برد وغضب من غضب ولعب من لعب، و... تجمد من تجمد في المخيمات القديمة والحديثة، ونشأت علاقة طينية بين جيل عربي وبين واقع موحل، لكن بشكل عام، ابلينا بلاءً حسناً واجتزنا واحدة من أكبر «الثلجات» منذ عشرات السنين، البعض أطلق عليها اسم «زينة» والبعض «هدى»، تيمناً واستبشاراً وأملاً بالخير، وهذا ما كان لولا.. ولولا ولولا...!

ففي الجوار شرقاً وغرباً وشمالاً، ثمة كرة نار تكبر، ومخططات تنفذ وأيدي خفية بعضها يلعب بالنار والبعض تلعب به النار، فيما بشر يحترقون ومخيمات تتسع، والأهم مستعمرات يهودية تستعد لاستقبال قادمين جدداً إلى إسرائيل، وهذه المرة ليس من أفريقيا ولا أوروبا الشرقية، بل من أوروبا الغربية، وتحديداً من فرنسا بلد الحرية والإخاء والمساواة والثورة و.. ديغول.

كرة داعش تكبر، والتحركات بين العواصم المؤثرة أو تلك المشتركة في اللعبة تزداد نشاطاً، تصريحات تناقضها تصريحات، لكأن الشرق الأوسط رقعة شطرنج، اللاعبان الرئيسان فيها اثنان كلاهما رابح، الأرض لإسرائيل والنفط لأميركا. وهذه هي المعادلة القائمة منذ أقيم «وطن قومي» لليهود على أرض فلسطين.

كان هذا هدف احتلال العراق أيضاً. ونذكر كيف أن أول طائرة أميركية حطت في مطار بغداد، كان على متنها فريق إسرائيلي توجه فوراً إلى المتحف الوطني العراقي، وسرق كل ما يتعلق باليهود من آثار، وعاد بها إلى تل أبيب، فيما جرى تعتيم إعلامي على السرقة. إنهم لا ينسون نبوخذ نصّر الذي هزم مملكة يوشع بن نون في أريحا.

ويذكر التاريخ أن السبي البابلي Babylonian Exile، هي فترة في التاريخ اليهودي تم فيها أسر يهود مملكة يهوذا القديمة، تم علي يد نبوخذ نصر الملك الكلداني..

حيث قام بإجلاء اليهود من فلسطين مرتين، مرة في عام 597 ق.م، والمرة الثانية في عام 586 ق.م.. وقد تمت عودة اليهود إلى أرض فلسطين مرة أخرى بعد سقوط الدولة الكلدانية علي يد قورش الكبير، حاكم فارس في ذلك الوقت. الخطان المتوازيان، الإسرائيلي والأميركي، يسيران الآن جنباً إلى جنب.

النفط يهبط إلى أدنى مستوياته منذ ست سنوات، ويواصل الهبوط بفضل «داعش»، التي أصبحت دولة نفطية، وقد تطلب الانضمام إلى «أوبيك»!! دون أن يعرف أحد من أوجدها وخطط لها، ومن يمدها بأسباب البقاء، رغم معاداتها ظاهرياً تحت لافتة الإرهاب.

إن الهجوم على صحيفة «شارلي إيبدو» الفرنسية وقتل صحفييها بسبب نشرها صوراً مسيئة للرسول الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم)، وهو جريمة لا تغتفر بحق المسلمين كافة في العالم، إلا أن طريقة وتوقيت الهجوم، يحمل في طياته أكثر من علامة استفهام. إذ ما مغزى إثارة الفرنسيين الذين للتو صوت برلمانهم لصالح إقامة الدولة الفلسطينية، ولماذا فرنسا بالذات، وليس غيرها من عواصم أوروبية شهدت استفزازات للعرب والمسلمين أكثر مما شهدته فرنسا؟

هل الهجوم عقاب لفرنسا المعروفة بأنها الأقرب من سواها للقضية الفلسطينية، والأبعد عن السياسة الأميركية في المنطقة من غيرها أيضاً؟!

إن الهجوم موجه للبرلمان الفرنسي، الذي يمثل الشعب أكثر مما هو موجه للحكومة الفرنسية، أيضاً بسبب تصويت البرلمان للدولة الفلسطينية. في ذات السياق، رأينا كيف استغل بنيامين نتنياهو مظاهرة باريس ضد الإرهاب، ليقول ليهود فرنسا إن وطنكم إسرائيل وليس فرنسا!! وشكل لجنة لسرقة مزيد من الأرض الفلسطينية وتوسيع المستوطنة المحاذية لها، والتي هي في الأصل أرض فلسطينية محتلة ومسروقة.

إن أكثر ما تخشاه إسرائيل، هو أكثر ما تخرقه بأبشع الصور، كما في غزة، وهو القانون الدولي، بخاصة ذاك الجزء منه الذي تم إقراره بعد الحرب العالمية، وتحديداً على إثر الممارسات النازية ضد اليهود، وما عرف بـ «الهولوكوست». من هنا، يأتي الهلع الإسرائيلي من موافقة المحكمة الجنائية على فتح تحقيق أولي في جرائم حرب غزة. لقد استنفذ المشروع الصهيوني مقولة معاداة السامية..

وأكل لحمها حتى العظم الفلسطيني، كما ملّ الغرب الذي يدرك الحقيقة، وارتاح من جيتوهات اليهود في مجتمعاته من مواصلة تصديق الكذبة، ومن مشاهدته كيف تحول ضحايا النازية إلى نازيين جدد ضد الفلسطينيين.

المطلوب الآن من أميركا والغرب، لا أن ينقذوا الفلسطينيين من الإسرائيليين، بل أن ينقذوا اليهود من الصهيونيين الإسرائيليين.