أتيحت لي فرصة الاستماع المباشر في أبوظبي للرئيس عبدالفتاح السيسي وهو يقول إن الهدف الاستراتيجي لفترة ولايته هو «حماية الدولة المصرية» واستطرد في شرحه، وهذا يوحي بأننا أمام رجل يعرف أن يفرق بين الهدف الاستراتيجي والمراحل التكتيكية للوصول إلى الهدف، وشرح الرئيس السيسي لعدد من الصحافيين الجالسين على جانبيه الأهداف الأربعة من زياراته الخارجية الخمس لإيطاليا وفرنسا والصين والكويت والإمارات بعقل منظم بكلام غير مكتوب لم اسمعه من رئيس مصري قبله..

اذ قال: إن الهدف الأول هو شرح مصر الجديدة للعالم والثاني هو إغراء الدول بالشراكة والمشاركة في مؤتمر الاستثمار في مصر الذي سيعقد بمارس في شرم الشيخ وثالثاً الترويج للسياحة ورابعاً الشراكات الاستراتيجية والأمنية.

وقبل أن افتح موضوع مصارحة الرئيس دعني اعلق على شكل لقاء الرئيس بالصحافيين الذين كانوا في رفقته والذي حضرته بالصدفة، حيث كنت مدعواً لذات المؤتمر في أبوظبي بدعوة كريمة من سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية.

تواصل الرئيس السيسي مع الإعلاميين بأسمائهم الأولى بتواضع جم وأريحية مما أعطى في تصوري بعض الصحافيين انطباعا بأنهم شركاء في صناعة السياسات كما ان دورهم في الوقت ذاته ان ينوبوا عن المواطن في طرح الأسئلة التي يبحث الناس لها عن إجابة.

هذا التواصل المهذب هو مثال على أن المقاصد النبيلة تأتي أحيانا بعكس المرجو منها فبدلا من وضوح الأدوار وتحديدها بين دور الصحافي ودور السياسي عمت حالة من الضبابية على مسؤولية الطرفين، وظيفة الصحافي هي توصيل المعلومة وتفسير ما يقوله السياسي من خلال إعطاء الإجابة سياقا تفهم منه.

تحدث الرئيس إلى الإعلاميين بأعتبارهم شركاء في بناء إجماع وطني وأنهم الأسمنت الذي يؤدي إلى تلاحم الكتلة المصرية من اجل المستقبل لتحقيق أجندة الرئيس السياسية، وبناء كتلة من المصريين تدعم التوجه الاستراتيجي للرئيس وهذا ليس وظيفة الإعلام فقط بل من صميم السياسة وهناك مئة طريقة لبناء هذه الكتلة قد يكون للإعلام دور فيها ولكن دوره لا يزيد على الشرح والتفسير ولا نزيد نسبته عن 10% من العمل المطلوب سياسياً لا إعلامياً.

وهناك ملحوظة هامشية يجب أن اذكرها هنا وهي أن الدراسات الأولية لمدى مصداقية الإعلام بعد ثورة يونيو تناقصت كثيرا حتى عن الإعلام أيام مبارك وان وسائل التواصل رغم ما بها من نميمة تتمتع بمصداقية أكثر من الصحيفة والتلفزيون في المنطقة العربية عموماً ومصر خصوصاً.

واضح أن هناك من أعطى الرئيس فكرة عن دور الإعلام وقدرته على التأثير في المجتمع بعد ثورتي يناير ويونيو، وهنا لا اعني بمن أعطى فكرة للرئيس بمعنى شخص أو مؤسسة رغم انه وارد ولكن وارد أيضا أن الفكرة المغلوطة هذه تبلورت نتيجة لكون الإعلام وفي غياب النواب أخذ دور البرلمان..

وفي غياب سياسات واضحة نصب الإعلام نفسه صانع سياسات وناقدا لها في ذات الوقت وهذا الظرف الاستثنائي ربما خلق في ذهن الرئيس هذا الدور لأهمية الإعلام. فبدا خاطبا وده وكأنه أمام برلمان يمثل الشعب لا قنوات فضائية وصحف تمثل مصالح من يملكونها، مصالح في الحقيقة تتناقض مع جوهر إستراتيجية الرئيس السيسي.

كان وجود ملاك القنوات يوحي بأن الإعلام المصاحب للرئيس هو إعلام رجال الأعمال باستثناء الصحف القومية المتمثلة في الأهرام والأخبار والجمهورية وحتى هذه الصحف لها ارتباطات مع إعلام رجال الأعمال من حيث ان الصحافي اما يعمل معداً للبرامج أو مذيعاً ليحسن دخله.

نموذج مرسي كان مغريا لبعض رجال الأعمال عندما أصبحت وكالة الأناضول هي وكالة إعلام الإخوان الموازي لإعلام الدولة، هناك الآن بين رجال الأعمال من يسول له خياله بأنه سيصبح وكالة أناضول الرئيس السيسي.

رجال الأعمال لا يفعلون شيئاً بدون مقابل، فعندما يذهبون بطائراتهم الخاصة مع الرئيس فهذا ليس لمصرفقط بل لجيوبهم، وعندما يركب الصحافي في طائرة خاصة لابد وانه يعرف ما الثمن المطلوب ضمنياً؟!.

أما زيارات الرئيس الخمس ونشاطه في الترويج لمصر وحديثه كلها توحي باطمئنان أننا مع حالة رئيس يفهم جيداً، وأتمنى لتجربة الرئيس السيسي التي وصفها بأنها مرحلة انتقالية لإنقاذ مصر كل النجاح، فجميعنا في ذات المركب. سيدي الرئيس لكي تنجح التجربة مطلوب إرساء قواعد واضحة للعمل بشكل احترافي.