لم يكن من المنتظر أن يفرز النظام السياسي السابق على ثورة الخامس والعشرين من يناير في مصر، إعلاماً رشيداً، والمقصود هنا الإعلام بكل توجهاته القومية أو الحكومية أو شبه الرسمية، وأيضاً الحزبية والمستقلة والخاصة، المرئي منها والمطبوع.

ولكن مظاهر عدم الرشد ستتركز بشكل أساسي هنا على بعض وسائل الإعلام الحكومي، وبعض الصحف القومية وثيقة الالتصاق بالدولة والحكومة والحزب الوطني بكل تأكيد آنذاك، ولنا أن نتصور مرة أخرى نتائج مثل هذه العلاقة.

خاصة أنها دخلت طرفاً في العلاقة المزرية بين المال والسلطة، وشكل القائمون على أمرها من رؤساء تحرير ورؤساء مجالس إدارات، طبقة من رجال الأعمال السياسية والحزبية داخل بلاط صاحبة الجلالة، ضاربين بعرض الحائط كل القواعد المهنية.

ولعل أبناء هذا الوطن العظيم، أدركوا منذ البداية حجم الانحراف المهني الذي اختارت بعض الصحف القومية أن تتبعه في تعاملها مع الأزمة، منذ بدايتها وحتى النهاية، والمقصود بالبداية هنا الثورة التونسية التي أطاحت بالرئيس زين العابدين بن علي، وكما ذكر في مقالات سابقة فإن بعض كتبة النظام ومفكريه ومنظريه، انتشروا كالطيور المذعورة في وسائل الإعلام المختلفة.

ووظفوا مساحات ضخمة من «مقالاتهم» للدفاع عن النظام المصري، ونفوا أي علاقة بين ما حدث في تونس وما يمكن أن يحدث في مصر، وفي هذا السياق، أصدر رئيس تحرير إحدى الصحف تعليماته بعدم نشر أي مقالات رأي أو موضوعات تحليلية، لتجنب إسقاط الحالة التونسية على الحالة المصرية.

وبرغم ظهور بوادر الخطر مع الدعوة لمظاهرات الخامس والعشرين، لم يتعامل الإعلام الحكومي معها بأي جدية، واعتبروها مجرد اعتصام أو وقفة احتجاجية وتمر مثلما حدث من قبل في عشرات ومئات الحالات السابقة، وكأن الله أراد أن تعمى أبصارهم حتى تجد الثورة طريقها النهائي نحو الاكتمال، ليرحلوا مع نظام كانوا جزءاً لا يتجزأ منه، إلى أن خابت ظنونهم على أرض الواقع، واتضح أن ما يحدث هذه المرة هو أمر مختلف تماماً عن المرات السابقة، وأن الموقف بالفعل شديد الخطورة.

ومع ذلك، ظل بعضهم على غيهم يفرضون الأكاذيب على القراء بالنسبة للصحف، والمشاهدين بالنسبة للتلفزيون والقنوات المصرية التي ظل بعضها منحرفاً تماماً عن الحقائق والقواعد المهنية، حتى رحيل الرئيس السابق، وقد بلغت الاستفزازات ذروتها منذ اليوم الأول للثورة، عندما صدر «الأهرام» في اليوم التالي.

وكأن ما يحدث يدور في كوكب آخر، فكان حريصاً على إبراز الاضطرابات اللبنانية أكثر من التطورات المصرية، برغم وضوح الصورة تماماً، بينما نشر في صدر صفحته الأولى خبراً بعنوان «ورود وشيكولاته بين المواطنين ورجال الشرطة»!

والغريب، وفي تناقض صارخ مع الخبر السابق، الذي نشر عنوانه باللون الأحمر، نشر خبر آخر مجاور له بعنوان، اشتباكات بين المتظاهرين والشرطة، ولكن هذه المرة بالطوب وقنابل الغاز، وليس بالورود والشيكولاته.

واستمرت عمليات التزوير وإذاعة الأخبار المضللة خلال الأيام التالية عن عمد، ويمكن وصفها بجرائم مهنية مع سبق الإصرار، أفضت إلى جرائم أخرى بقتل وإصابة عديد من الأشخاص، وبالتالي، فإن بعض القائمين على أمر الإعلام الحكومي والقومي، شركاء في تلك الجرائم، نتيجة إذاعتهم ونشرهم أخباراً كاذبة، وتضليل الرأي العام، وتعريض حياة المواطنين للخطر بنشرهم معلومات زائفة، واعتبار المتظاهرين عملاء ومأجورين وأصحاب أجندات خارجية ومعتصمين بالأموال وبالوجبات، وليس بالمواقف.

كل النماذج السابقة ليست إلا قطرة في بحر سوء الإدارة التحريرية لبعض الصحف القومية، وهي في حقيقة الأمر سبب من أسباب التذمر الشعبي، لأنها كانت تتعامل من منطلقات حزبية وسياسية، وليس من أسس وقواعد مهنية، ولذلك تم اختيار بعض رؤسائها من الأعضاء الناشطين في الحزب الوطني، فخصصوا كل كتاباتهم ومساحات عريضة من صحفهم للدفاع عن الحزب الوطني والحكومة.

ووضعوا نصب أعينهم شخصاً واحداً فقط، هو رئيس الجمهورية، لدرجة أنهم ألصقوا بشخصه أي إنجاز أو قرار إيجابي يحدث على أرض الدولة، مهما كان، وقد أساء القائمون على أمرها بذلك إلى رئيسهم أشد الإساءة، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، فالدولة التي لا يعالج أبناؤها ولا ينجح طلابها ولا يسكن فقراؤها ولا يعيش أيتامها إلا بقرار من رئيس الدولة، هي بالتأكيد دولة غير طبيعية، تفتقد إلى الطابع المؤسسي.

ومن بعد الرئيس، كان محور اهتمام بعض رؤساء تحرير الصحف القومية، قادة الحزب الوطني وتباروا في إرضائهم والتستر على الفساد والمفسدين منهم، بل والعمل في خدمة بعض المؤسسات، وتبني وجهة نظرها على حساب الحقيقة، مثلما حدث في قضية الشاب خالد سعيد، الذي وصفته صحيفة قومية بأنه «شهيد البانجو»، وتجاهلت قتله خلال اعتقاله، وخصص بعض الكتبة أقلامهم لتشويه الشخصيات الوطنية والمعارضة، دونما سبب واضح، اللهم إلا تجرؤهم على الانتقاد، فجاءت كتاباتهم ومواقفهم سبباً مباشراً في استفزاز الجماهير المصرية، وصولاً إلى ثورة الخامس والعشرين من يناير.