أثناء ذروة الانفعال بحوادث العنف الأخيرة في باريس؛ التي كان ضمن ضحاياها أربعة من اليهود، جدد رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو النداء الصهيوني القديم الى يهود فرنسا بالهجرة الى اسرائيل. لقد أراد الرجل أن يطرق الحديد ساخنا.

فالأجواء المهتاجة أوروبيا بعامة وفرنسيا بخاصة، بدت مواتية ماديا وعاطفيا لإعادة التذكير بهذا النداء.. غير أنه في حقيقة الأمر كان كالمريب الذي يكاد يقول خذوني، لكونه ظهر كصاحب مصلحة أو مستفيد من هذه الهوجة.

دعوة نتنياهو في هذا التوقيت ليست أكثر من تصرف أخرق ومعيب في حق الدولة الفرنسية، لأنها تعني عجز هذه الدولة عن حماية بعض مواطنيها. والأهم، أنها الدعوة ذاتها للهروب والانعزالية؛ التي دأبت الحركة الصهيونية على ممارستها مع يهود العالم لأكثر من مئة عام . ففي ظاهر الحال وباطنه أن المغدورين في باريس هم جميعا فرنسيون أولاً.

لكن نتانياهو وبطانته من ذوي العقلية الصهيونية القحة لهم رأي آخر؛ مؤداه تمييز الضحايا اليهود عن مواطنيهم الفرنسيين. وهكذا فإن اليهودي الذي يضار في فرنسا أو في أي مكان، هو عند الصهاينة وإسرائيل يهودي قبل وبعد أي اعتبار أو تعريف آخر. هذه عنصرية صريحة على خلفية الديانة.

المثير أكثر أن الدولة الفرنسية؛ في حمأة الأحداث والمعنويات الجياشة، تعاطفت مع هذا المنحى، حين وافقت على انتقال جثث «رعاياها اليهود» لتدفن في غير ثراهم الوطني.. هناك بعيدا في اسرائيل . ترى هل سيتكرر هذا السلوك ليصبح تقليدا ساريا؟!

كان الأوفق والأكثر معقولية ومنطقية، أن تحتج فرنسا على نتانياهو بحسبه يميز بين فرنسيين وفرنسيين، وأنه يسعى لاستدراج بعض مواطنيها الى دولته؛ التي يزعم انتماءهم لها وولايتها عليهم .

إسرائيل وبدلاً من أن تناشد اليهود الدفاع عن ديمقراطية دولتهم الأم، وأن يستبسلوا في مواجهة نوائبها، راحت تطلب منهم الانسحاب الى مشروعها الاستعماري وتستعد لتوطينهم في أراضي الفلسطينيين.

لقد استغلت المصيبة الفرنسية بشكل انتهازي فج، بأن التفتت الى ما يعنيها فقط وهو تعظيم مخاوف اليهود كي يفضلوا النجاة بأنفسهم، غير عابئة بأن حلاً كهذا يعني ترك باقي الفرنسيين ليواجهوا وحدهم مصيرهم مع «الإرهاب»!

واضح والحال كذلك، أن الدعوة الصهيونية لهجرة يهود العالم الى كيانها السياسي الاستيطاني، تنتعش في أوقات الأزمات والخطوب التي تطرأ على الدول ذات الوجود اليهودي.

المشكلة في هذا الإطار ليست فقط في عدم اللياقة السياسية والقانونية التي تنطوي عليها دعوة مواطني دول أخرى إلى الإفلات بأنفسهم عند وقوع دولهم في أزمات معينة، وإنما أيضا في أن أصحاب هذه الدعوة من الصهاينة والإسرائيليين، هم آخر من يحق لهم الزعم بالقدرة على تأمين اليهود وحمايتهم..

هذا دون الحديث عن المسخرة التي تعنيها دعوة يهود فرنسا بالذات؛ مسقط رأس شعارات الحرية والإخاء والمساواة ودولة كل مواطنيها، للمغادرة الى اسرائيل، الدولة العنصرية بالفكر والممارسة والقائمة بآخر الاحتلالات في عالمنا الراهن، والتي تجتهد اليوم للتأكيد على أنها «لليهود فقط» وليست لكل مواطنيها بنص القانون.

لو كان المقام يسمح، لأفضنا كثيرا حول خاصية افتقاد إسرائيل للعنصر الذي يفترض أن يكون الظهير الأساسي لدعوة الهجرة، ألا وهو الأمن بمستوييه الوطني الجماعي والشخصي الفردي. تعرض اليهود الفرنسيين لأخطار أمنية لا يعدو كونه حالة طارئة جدا.. أما النجاح في استدراجهم الى إسرائيل، فإنه يوقعهم تحت هواجس غياب الأمن بكل المعاني وعلى مدار الساعة.

ليس بوسع دولة نتانياهو بقضها وقضيضها إعطاء ضمانة لأمن مواطنيها ، القدامى منهم والجدد، طالما ظلت دولة محتلة لأرض الغير؛ تعلي حق القوة على قوة الحق. وإذا كان الأمن عموما قضية إحساس نسبي في كافة المجتمعات، فإن إسرائيل تقع على رأس قائمة الدول التي ينخفض فيها معدل هذا الإحساس الى الدرك الأسفل.

 الشاهد أن دعوة اليهود للهجرة الى إسرائيل موشاة بالأكاذيب والوعود الزائفة . وليس على المتشككين في هذه القناعة، ولا سيما من اليهود الفرنسيين، سوى أن يسألوا من سبقوهم الى هذه الدولة؛ الذين يحسبون كل صيحة عليهم ويعيشون معظم أوقاتهم تحت السلاح، عن أحوالهم الأمنية.