توقفت كما توقف الملايين في داخل الإمارات وخارجها أمام الرسالة الشخصية والمفاجئة التي بعث بها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم إلى فريق العمل بحكومة الإمارات – وهو اللقب الذي فضل سموه أن يصفهم به – وهذه الرسالة بمثابة حدث استثنائي على مستوى حكومات العالم، ولا يتكرر إلا من شخص استثنائي.
فلم يحدث أن خاطب نائب رئيس دولة رئيس مجلس وزراء العاملين في الدولة برسالة شخصية تحمل هذه العناوين الكثيرة التي تستحق التوقف أمامها طويلاً، لتكشف لنا بجلاء عن شخصية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، وأن ما حدث في الإمارات من نهضة شاملة لم يكن وليد المصادفة، إنما كان نتاج فكر قيادة تعرف كيف تفجر طاقات العاملين وتشحذ الهمم وتخرج من كل فرد أفضل ما لديه.
ولاشك أن سموه عودنا دائماً على مثل هذه المبادرات الإنسانية الرائدة وغير المسبوقة، ألم يبعث برسالة تهنئة بالعيد لكل مواطن ووافد على أرض الإمارات، ولا ننسى أن سموه من القادة المعدودين على مستوى العالم الأكثر استخداماً لوسائل التواصل الاجتماعي في التوجه إلى شعبه، لذا فإن هذه الرسالة تأتي في السياق الطبيعي لأسلوب ارتضت به القيادة لنفسها أن تلتصق بشعبها، وأن الشعب هو الظهير القوي الذي تنطلق به ومعه، وهذه هي الشرعية الحقيقية.
وفي تقديري أن هذه الرسالة تؤسس لمدرسة جديدة في القيادة وترسخ لأهمية الحافز الإنساني، فقد يكون التقدير في بعض الأحيان مادياً، وهو مهم، غير أن الأهم هو القيمة النفسية التي تبعث الروح داخل الفرد وتجعله يخرج من مخزون طاقته المزيد وتحقق لديه ما يسمى بالرضا الوظيفي، عندما يأتي التقدير من قمة الهرم القيادي، كما أنه درس لمختلف القيادات وعلى كل المستويات في منهج القيادة التكاملي الذي لا يقبل بالقصور أو التقصير ويعاقب المخطئ.
غير أنه يقول للمحسن في ذات الوقت قد أحسنت وتشعره بقيمة ما يقوم به من عمل سواء صغرت مسؤوليته أم كبرت، إنها إدارة الإنسان الذي يتكون من جسد وروح، وكما أن للجسد متطلبات فكذلك الروح التي إذا ما شعرت بالرضى والتقدير صنعت المعجزات، تلك هي عبقرية القيادة، وهذا أحد أهم أسرار المعجزة الإماراتية.
والمتأمل يجد أن الرسالة تحمل بين طياتها دلالات كثيرة تجعلك تدرك مدى إلمام صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، بطبيعة عمل مختلف الفئات التي بدأها بالمعلم، كما أنها تبعث برسالة أنه معهم وليس بعيداً عنهم، لأن سموه رجل ميدان في المقام الأول، قلما يمر يوم دون أن يكون بين الناس لأنه أحبهم فبادلوا سموه حباً بحب وعطاء بعطاء وبذلاً ببذل ووفاء بوفاء، «وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان».
هذا القرب من العاملين الذين حياهم صاحب السمو في بدء رسالته «بإخواني وأخواتي»، ولم يقل الإخوة والأخوات على إطلاقها، وفي هذا التقريب، كما يقول أهل اللغة، حميمية وود، ثم أردف «بفريق عملي» ولم يقل العاملين.
لأن روح الفريق هي القيمة التي أرسى دعائمها سموه، ولم يكن لهذه الإنجازات أن تتم في غيابها وهي التي جعلت الكل في واحد، والغاية والهدف واحد، ثم قوله «فريق عملي في الحكومة» لأنه لم يكن يوماً بعيداً عنهم، كيف وهو الذي تربى في مدرسة الحب والعطاء.
كما أن تشديد سموه في رسالته أن العمل ليس باباً للرزق هي عقد أن أبناء الإمارات قد تجاوزوا هذه المرحلة، وأن العيش الكريم الذي يعيشه أبناء الوطن بفضل الله سبحانه وتعالى ثم بقيادة سخرها الله لخدمة أبناء الوطن، يلقي ذلك بمهمة على كل فرد أن يحب ما يقوم به، وعندما يحبه سوف يبدع فيه ويبعد عن النمطية التي لا تثمر عن تقدم ولا تحقق نهضة، والأمم التي تطمح دائماً إلى تبوؤ المراكز الأولى.
لا يصلح معها من ينظر إلى العمل باعتباره مصدراً للتكسب فحسب بل عليه أن يدرك أن كل يوم يمثل تحدياً كبيراً له في إخراج أفضل ما لديه، بذلك تتقدم الأمم وتعز الأوطان ويبرهن كل فرد بحق على حبه لكل حبة رمل من رمال هذا الوطن المعطاء.
كما أعتقد أن صاحب السمو بذلك قد حدد الأطر التي يجب أن تعمل مؤسسات الدولة من خلالها لتبوؤ المركز الأول، أولها أن العمل الحكومي ليس باباً للرزق فحسب، ثم إن التقليدية والفكر النمطي لا يدفع وطناً أو يبني أمة، ثم الدافعية والمبادرة، والتي لن تأتي إلا بحب ما نقوم به.
وفي إطار ذلك لم ينس سموه دور المرأة الإماراتية في تحمل مسؤوليتها الوطنية مع الرجل كتفاً بكتف وذراعاً بذراع، فكانت نعم الأم وكانت مواطنة صالحة استطاعت أن تثبت كفاءة فيما أنيط بها من مهام، حتى أصبحت وزيرة وعضواً بالمجلس الوطني، ومازالت مسيرة الخير مستمرة.
إن هذه الرسالة الاستثنائية يجب أن تتفحصها كل المؤسسات بالدولة، لأنها تحدد أطراً للعمل ينبغي أن تعتمدها وتعظم مردودها وبخاصة أجهزة الإعلام، والتي لها دور كبير ومؤثر في نشر ثقافة الجودة والطاقة الإيجابية من خلال إعطاء الأمل للناس، وأنهم قادرون على صنع المعجزات، .. إنها بالفعل رسالة استثنائية من قائد استثنائي، وقعها باسمه مجرداً من كل الألقاب المستحقة، يكفي أنه محب لشعبه ومخلص لوطنه.