إرهابنا وإرهابهم

ت + ت - الحجم الطبيعي

لم تعجبني مسيرة الخمسة ملايين متظاهر التي جابت شوارع وميادين باريس احتجاجاً على الحادث الإرهابي الذي وقع لمجلة شارلي إبدو التي نشرت صوراً مسيئة للرسول عليه الصلاة والسلام، لأن بعض من تصدروا المسيرة يمارسون الإرهاب، لا أقول في بلادهم، ولكن في أوطان احتلوها، ومعظمهم تترنح شعبيتهم في بلدانهم، ويمرون بأزمات ومشكلات قد لا تمكّنهم من استكمال مدد حكمهم.

كان مؤسفاً جداً أن يتصدر المسيرة الإرهابي بنيامين نتانياهو، ويده التي كان يحيي بها الجماهير في كل وقت كانت تقطر منها الدماء، دماء 2500 شهيد في آخر غارة قام بها على غزة، ولو حاولنا إحصاء قتلاه، لوصل الأمر إلى أرقام ستصيبنا بحالة من الهلع غير العادي.

رأيت نتانياهو لحظة صعوده الأتوبيس المخصص لقيادات العالم لنقلهم من قصر الإليزيه إلى مكان التجمع لكى تبدأ المسيرة، شاهدته وهو ينظر في المرآة المثبتة في جانب الأتوبيس، وهو يسوى شعره، ويعدل من وضع رابطة عنقه، وكأنه ذاهب إلى حفل استعراض، وليس للمشاركة في مظاهرة.

قال لنا المطلعون على بواطن الأمور إن الرئيس الفرنسي لم يكن راغباً في مشاركة نتانياهو، لكن نتانياهو أصر، فالرجل تنتظره انتخابات بعد شهرين من الآن، وهذه الرحلة يمكن أن تجتذب له أصواتاً هو في أمسّ الحاجة إليها، ثم وقف في خيلائه ليطالب يهود فرنسا بالهجرة إلى الوطن الأم، سألت نفسى: لو كان في أميركا هل كان سيجرؤ أن يطلب من يهود أمريكا مثل هذا الطلب؟

دهشتي كانت بلا حدود عندما رأيت رئيس وزراء تركيا يتصدر المسيرة، فآخر قرار أصدره قبل سفره إلى باريس كان حبس رسام كاريكاتير صحفي بتهمة أنه رسم كاريكاتيراً يسيء إلى سيادة رجب طيب أردوغان رئيس الجمهورية، على أن يقدم لمحاكمة عاجلة بهذه التهمة، فكيف استساغ الذهاب إلى باريس، والمشي في هذه المسيرة احتجاجاً على من قاموا بقتل من يصدرون مجلة شارلي إبدو؟

التطورات اللاحقة ليست مطمئنة، فقد أصدرت المجلة نفسها عدداً خاصاً بعد أسبوع من الاعتداء أطلقت عليه: عدد الأحياء. ونشرت على غلافه – وليست في صفحة داخلية – رسوماً مسيئة للنبي فيما اعتبر تحدياً لمشاعر المسلمين على مستوى العالم.

المجلة كانت متعثرة، ولا تصدر بشكل منتظم، وتعاني مشكلات مالية، وتطبع نحو 40 ألف نسخة من كل عدد، لكن عدد التحدي لمشاعر المسلمين طبعت منه ثلاثة ملايين نسخة، وعندما تزايد الطلب طبعت ثلاثة ملايين أخرى، وهناك جهات فرنسية تبرعت بأجور الطباعة، وجهات أخرى قامت بالتوزيع متطوعة.

من شاهد الإعلام الغربي ورأى طوابير من يقفون ساعات في انتظار الحصول على نسخة من المجلة فيه استفزاز لمشاعر المسلمين، وكأنه نوع من الاستفتاء الشعبي على كل هذا العداء للمسلمين في ظل الوضع الأوروبي الراهن. قديماً، قال الروائي الأميركي مارك توين قولته المهمة: «هناك قوانين كثيرة تحمي حرية الصحافة، ولكن لا توجد قوانين لها قيمة ووزن لحماية الناس من الصحافة».

وقبله قيل إن الحرية هي الحق في أن تكون أحياناً مخطئاً، وليس الحق في أن تتعمد فعل الخطأ، وكم من الجرائم ترتكب باسمك يا أيتها الحرية.

هذا عن الصحف، فماذا عن الكتب؟ في مكتبات باريس الآن رواية صدرت يوم 7 يناير، وهو يوم العدوان نفسه على الصحيفة، عنوانها: الخضوع، تأليف: ميشيل ويلباك، وأحداثها تدور سنة 2022، وتتنبأ بأن الانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرى في هذا العام سيفوز فيها محمد بن عباس الفرنسي المسلم من أصول تنتمي إلى شمال إفريقيا، وأن هذا الفوز سيشكّل كابوساً ضخماً في تاريخ فرنسا، ويستعرض المؤلف دخول رئيس مسلم قصر الإليزيه لأول مرة منذ أن تم بناؤه.

الكتاب الثاني عنوانه: الانتحار الفرنسي، الأربعون سنة التي هزمت فرنسا، من تأليف: إيريك زيمون، فرنسي يهودي من أصول جزائرية. صدر هذا الكتاب في أكتوبر 2014، ومبيعاته وصلت إلى خمسة آلاف نسخة في اليوم الواحد، والانتحار الفرنسي الذي يقصده المؤلف – ومصدر معلوماتي وكالات الأنباء والصحف وأجهزة الإعلام – سببه الوحيد أسلمة فرنسا، أي الهجوم الإسلامي على فرنسا.

 

طباعة Email