لماذا يقتل الإنسان الإنسان؟ ما هذا الأثمن من الإنسان كي يميت من أجله ويموت؟ ما الذي يكسبه القاتل والقتيل؟ أسئلة قديمة جديدة دائماً، فالظاهرة مستمرة منذ ما قبل التاريخ وحتى اليوم.
وليس من الحكمة أن نرد هذه الظاهرة إلى غريزة متأصلة في النفس والقول إن الإنسان شرير بطبع، بل لابد من البحث في الدافع إلى القتل. فالناس الذين يخوضون الحروب لا يخوضونها عن إرادة بل تدفعهم إليها سلطة قاهرة، ويكونون في الغالب مغلوبين على أمرهم.
فالحاكم الذي يدفع رجال أمنه لمواجهة الحناجر بالرصاص هو قاتل دفاعاً عن امتيازات لا استمرار لها خارج وجوده في السلطة. لكنه يقدم خطاباً زائفاً لتبرير القتل، هذا الخطاب هو خطاب قتل. والإرهابي الذي يقتل يتكئ على خطاب قتل. فليس أخطر من ظاهرة القتل إلا خطاب القتل.
خطاب القتل ينطوي على أمرين: أقتل من أجل ومت من أجل.
لو حللنا أي خطاب للقتل لوضعنا يدنا على جملة من المصطلحات التي تحوز على حضور قوي في الوجدان الشعبي: الوطن، الأمة، الشرف، الجهاد، إعلاء كلمة الإله، الموت في سبيل الله.... الخ. خطاب القتل هذا والذي يتضمن بدوره الموت، تقف وراءه لغة تحريضية تجيش الجماعات الأكثر قابلية للتحول إلى أدوات قتل.
ولو تأملنا أيضاً خطاب القتل السائد لوجدنا خطاب السلطة المستبدة وهي تقتل باسم الوطن والشعب والسيادة، وهو خطاب زائف لإخفاء القتل من أجل أهداف وضيعة.
وخطاب الحركة الأصولية العنيفة التي تغلف طموحها لاستلام السلطة بخطاب قتل دفاعاً عن المقدس متنكرة بأقنعة الماضي. وهذا خطاب خطير، لأنه ذو ارتباط بالثقافة الشعبية السائدة ويلامس الحنين المتوهم بالعودة إلى الماضي.
وفي كلا الخطابين نحن أمام قتل الآخر المختلف حتى لو أدى ذلك إلى موت القاتل.
وإذا ما ربطنا ما سبق بظاهرة الإرهاب أدركنا أن الإرهاب هو سلوك إرهابي وخطاب إرهابي وقابلية مجتمعية وثقافية لوجودهما معاً، أقصد السلوك والخطاب.
لا شك إن خطاب القتل لا ينتجه المهمشون اجتماعياً، بل ينتجه الفاعلون فكرياً وفقهياً ويلقونه في سوق المهمشين بوصفهم أدوات لتحقيق خطاب القتل على الأرض، وذلك عبر قتل الآخر المختلف.
ولما كان الخطاب، أي خطاب، هو سلطة آمرة فإن توفير شروط لإنتاج هذا الخطاب وترويجه هو الذي يحوله إلى سلطة.
وهذا يعني إن النقيض لخطاب القتل ولممارسة القتل المعبرين عن الإرهاب يجب أن يتجه إلى المجتمع عبر قول واضح في حب الحياة والإعلاء من شأن العقل والدفاع عن قيم الإنسان ووجوده، وعبر ممارسة تحول دون توفير الشروط لأن يمارس خطاب الإرهاب سلطته.
والحق إن المجتمعات العربية هي في الغالب مجتمعات غير عنفية، وحجم الجريمة المنظمة فيه تاريخياً يكاد لا يذكر، حتى جرائم الشرف شبه نادرة، وتكاد جرائم الثأر في الريف العربي أن تنتهي، والثقافة الشعبية الإسلامية ثقافة تعلي من شأن الإنسان وتمنع القتل أصلاً.
وسنت عقوبة قاسية للقاتل، وبالتالي ليس هناك تاريخ للعنف يفسر لنا ظاهرة القتل وأيديولوجية القتل، وخطاب القتل. ولهذا يمكن أن نقول بكل اطمئنان إن خطاب القتل وممارسة القتل نمط من تحول السياسة إلى إرهاب عند سلطة دكتاتورية وجماعات عنفية.
فيما وظيفة السياسة في عالمنا الراهن هي مد المجتمع بعقل وفاعلية ومؤسسات لتنظيم شؤونه في كل صعد الحياة من طريقة الحكم ونظامه إلى الاقتصاد إلى الثقافة إلى توفير الأمن والإعلاء من شأن الكرامة الإنسانية.
أما السياسة إرهاباً فهذا عودة إلى الهمجية.