جماعة «بن لكن» هو مصطلح نحته في 26 سبتمبر عام 2001 تعليقاً على ردة فعل بعض العرب المترددين في إدانة ما حدث في نيويورك وواشنطن كما هو حال البعض الآن في حديثهم عما حدث من جريمة مروعة في قلب العاصمة الفرنسية باريس، الذي أدى إلى قتل 12 شخصاً. نفس ردود الأفعال تكررت عند البعض مثل استخدام عبارات «ندين الإرهاب..
ولكن»، «مجلة تشارلي أبدو هي التي بدأت» إلى آخر استخدام العبارات غير القاطعة في مواجهة الإرهاب، حدث ذلك بعد أحداث سبتمبر ويحدث اليوم وكأن كل هذه الأعوام لم تمر علينا، رغم أن الأيام تكشف لنا من سبتمبر 2001 حتى الآن أن معظم الناس في عالمنا العربي، وكذلك العالم الإسلامي، قد اختطفوا من قبل هذه الجماعة الجديدة التي أسميتها جماعة «بن لكن».
هذه الجماعة تؤثر المصلحة الشخصية على المصلحة العامة، يهمها أن تسجل بطولات على شاشات التلفزيون وصفحات الجرائد على حساب الأهداف الاستراتيجية للعرب والمسلمين على المستوى التنموي الاقتصادي والسياسي والعسكري. يهمهم أن يغازلوا الإرهاب من دون أن يدفعوا ثمناً سياسياً لمواقفهم.
المهم ترى لماذا طالبت يومها في 2001 وأطالب الآن وبنفس النفس باتخاذ مواقف واضحة تجاه الإرهاب «من غير لكن»؟

قلت يومها ولم يستوعب أحد: «فإذا كان العرب يقولون دائماً إن إسرائيل مسيطرة على العقل الجماعي الأميركي فهذه فرصة العرب والمسلمين. فقد فتحت في هذه اللحظة التاريخية «نافذة فرصة» (Window of apportunity) لتحسين صورة الإسلام والعرب في الإعلام الأميركي. ما يحدث الآن هو أمر غير مسبوق من ناحية الحديث الإيجابي عن العرب والمسلمين.
فمثلاً، لم يحدث ومنذ أمد بعيد أن تجرأ أحد في أميركا ليقول على شاشات التلفزيون وفي الصحف إن التمييز ضد العرب خطأ وإن الإسلام يختلف عن الإرهاب. حدث ذلك الآن. ومن مَن؟ من رئيس الدولة، بعدما زار جورج بوش المركز الإسلامي في واشنطن ومنه أعلن لكل الأميركيين أن الإسلام دين سماحة ودين سلام. وتلقف الشعب الأميركي رسالته وكذلك الإعلام الأميركي، وبذلك انفتحت هذه الفرصة للعرب وللمسلمين.
العمل لتوسيع هذه النافذة ترجع لجهد العرب والمسلمين أنفسهم. وكي تتسع هذه المساحة لا بد من خطوات كثيرة، أولها أن نكون واضحين وضوح الشمس في إدانة ما حدث، ولنترك الأميركيين وحدهم يراجعون سياستهم الخارجية في الشرق الأوسط. إما أن ننتقدها نحن، وفي هذا الظرف تحديداً، فلن يفهم الأميركيون هذا النقد الآن إلا في إطار الشماتة.
اتركوا أميركا تعيد تقييم سياستها بنفسها، ففي أميركا الآن حوار حي حول أسباب الإرهاب، حيث يقبل الأميركيون من داخلهم الاعتراف بأن أزمة الشرق الأوسط هي أحد الأسباب، ولكن أن يقول لهم ذلك طرف عربي، خصوصاً إذا كان مسؤولاً سياسياً، فلن تُقبل النصيحة حتى لو كان الأميركيون قد توصلوا إلى تلك النتيجة بأنفسهم. فللرسالة وقع من خلال المرسل». نفس ما قلته عن أميركا يومها والذي فشلنا فيه..
أقوله عن فرنسا اليوم، فهناك نافذة فرصة، ووجود بعض الوجوه العربية القيادية مثل ملك الأردن وزوجته والرئيس محمود عباس والشيخ عبدالله بن زايد سيكون له أثر إيجابي ويصحح ما فاتنا بعد أحداث سبتمبر وطريقة تعاملنا مع أميركا.
إن الذين يستخدمون عبارات على غرار «ندين الإرهاب، ولكن» يغيمون على الرسالة الأساسية، فالذي سيصل الأميركي والفرنسي اليوم ليس ما قبل «لكن»، وإنما «لكن» وما بعدها.
ترى ماذا يكون رد الفعل الأميركي؟ رد الفعل الأميركي هنا هو أن هؤلاء مجرمون وأعداء لنا، وبالفعل لنا صديق واحد في الشرق الأوسط هو إسرائيل.
على العرب أن يحددوا لغتهم ويفرقوا ما بين خطابهم السياسي والشرعي وذلك الذي تبناه أسامة بن لادن وتتبناه اليوم جماعة داعش والقاعدة.
إن ترك الأمور نهباً لجماعة «بن لكن» يضع العالم العربي في مأزق تاريخي لا يقل خطورة عن مأزق نكسة 67. هذا المأزق سيجعلنا ندفع الثمن لأجيال قادمة. ثمن ندفعه من دمنا ودماء الأجيال القادمة. وحدث ويحدث. وكما حدث بعد 11 سبتمبر سيحدث بعد مذبحة باريس.
الخلافات في السياسات تناقش من خلال القنوات المضبوطة والمؤثرة، ولا تناقش من خلال مواقف عنترية على صفحات الجرائد وشاشات الفضائيات. إن علاقة العرب بالغرب عموماً وبأميركا خصوصاً أكبر وأهم من تركها تختطف من قبل جماعة «بن لكن». فهل من مدرك لخطورة ما ينتظرنا إذا انجرفنا خلف تيار العاطفة وخلف جماعة «بن لكن»؟