رغم أنه من المتوقع أن يدخل الرئيس الأميركي في معارك عدة مع الكونجرس الجمهوري طوال العامين الباقيين من ولايته الثانية، إلا أن المواجهة الأولى للرئيس ستكون على الأرجح مع حزبه لا مع الحزب الجمهوري.
فليس سراً أن الجمهوريين بعد فوزهم بالأغلبية في المجلسين أعلنوا قائمة من القضايا سيؤدي طرحها لصدام مع الرئيس، بدءاً من قضية الهجرة ومروراً ببرنامج الضمان الاجتماعي ووصولاً إلى الميزانية.
إلا أنه كان من الواضح أنهم يعتبرون أن القضية الرئيسية التي يمكن التعاون فيها مع الرئيس هي اتفاقيات التجارة الحرة. لكن تلك الاتفاقيات نفسها وعلى رأسها اتفاقية التجارة الحرة التي صارت تعرف باسم «الشراكة العابرة للمحيط الهادي»، ستكون مصدر الصدام الأول بين الرئيس وحزبه الديمقراطي، والذي بدأت بوادره بالفعل.
فقد عقد مجموعة من أعضاء الكونجرس الديمقراطيين ومعهم عدد من منظمات العمال والبيئة مؤتمراً صحافياً للإعلان عن رفضهما إعطاء صلاحية «المسار السريع» التي طلبها أوباما من الكونجرس من أجل تمرير اتفاقية «الشراكة العابرة للمحيط الهادي».
و«المسار السريع» أو ما سمى منذ عهد بوش الابن «تشجيع التجارة» هو الاسم الذي يطلق على إجراءات بعينها يتم اتباعها في الكونجرس للإسراع بالتصديق على اتفاقات التجارة الخارجية.
فوفقاً للدستور الأميركي، فإن «تنظيم التجارة الخارجية» واحد من صلاحيات الكونجرس المنصوص عليها صراحة في القسم الثامن من المادة الثانية. وبسبب هذا النص، فإن من حق الكونجرس أن يعدل أو يحذف أو يضيف إلى أي من اتفاقات التجارة الحرة التي يعقدها الرئيس مع دول أجنبية.
لكن لأن مثل تلك المراجعة قد تؤدي لعدم إقبال الدول المختلفة على إبرام اتفاقات مع رئيس الولايات المتحدة، كونها قابلة للتعديل من جانب الكونجرس بعد توقيع الرئيس عليها، فقد ابتدع الكونجرس وسيلة أخرى أطلق عليها «المسار السريع».
وهي تقضي بإلزام الرئيس بالتواصل المستمر مع الكونجرس طوال مرحلة تفاوضه مع أية دولة بشأن اتفاق تجاري، بغرض إطلاع الكونجرس على مضمون الاتفاق تفصيلاً، وفي مقابل ذلك تأخذ الاتفاقية بعد توقيع الرئيس عليها «مساراً سريعاً» داخل الكونجرس، عبر وضع حد للوقت المتاح لمناقشتها في المجلسين سواء داخل اللجان أو في الجلسات، ثم يتم التصويت عليها دون أية تعديلات بالرفض أو الإيجاب.
ويسري العمل بموجب إجراءات المسار السريع لمدة زمنية محددة يتم تجديدها بعدها.
وقد انتهى العمل بالمسار السريع في عام 2007 ولم يفلح أوباما في تجديدها منذ تولي السلطة وكانت آخر محاولاته العام الماضي ولم يسمح له بها مجلس الشيوخ الذي كان يسيطر عليه حزبه. وقد أعاد أوباما مؤخراً تقديم طلب للكونجرس للحصول عليها. ورغم أن الجمهوريين لا يمانعون في منح الرئيس تلك الصلاحية فإن المعارضة تأتي بالأساس من الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي.
فاتفاق «الشراكة عبر المحيط الهادي» يقضي بتجارة حرة بين الولايات المتحدة وإحدى عشرة دولة في آسيا والمحيط الهادي على رأسها اليابان وأحد أهدافها مواجهة الصين والحد من دورها الاستراتيجي في المنطقة، حيث تسعى لاتفاق مماثل مع تلك الدول نفسها.
لكن الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي لم يعترض فقط لأن المفاوضات بشأن الاتفاق ظلت في أغلبها سرية غير متاحة للرأي العام ولا يعرف عنها أحد شيئاً سوى عدد محدود من أعضاء اللجان المعنية في الكونجرس دون باقي زملائهم.
فالسبب الرئيسي هو أن ذلك الاتفاق من شأنه أن يعطي امتيازات واسعة للشركات الكبرى ولوول ستريت على حساب المستهلكين والعمال والبيئة. فشركات الأدوية الكبرى ستحصل بموجب هذا الاتفاق على حماية لبراءات الاختراع ستؤثر بالذات على المستهلكين الفقراء سواء في أميركا أو الدول النامية.
وسيكون من حق الشركات الكبرى عموماً مقاضاة أية دولة تؤدي قوانينها المحلية إلى خسائر لتلك الشركات أو حتى ضعف في الأرباح، وهو ما قد يعني أن تدفع الدول المختلفة تعويضات مالية باهظة لتلك الشركات إذا ما أضرت قوانينها التي تحمي العمال أو البيئة بأرباح الشركات متعددة الجنسيات، وهو ما يعني خسارة العمال في الشمال والجنوب وتدهور البيئة في كل مكان والفائز الوحيد هو تلك الشركات العملاقة.
لذلك، وقفت منظمات العمال والبيئة جنباً لجنب مع أعضاء الكونجرس الديمقراطيين في ذلك المؤتمر الصحافي للتأكيد على أن الأعضاء المعترضين يمثلون تلك القطاعات الواسعة.
ورغم أن تلك المواجهة بين الرئيس وحزبه قد تنتهي لصالح الرئيس لأن قيادات الحزب الجمهوري، صاحب الأغلبية في المجلسين، هي الأكثر اهتماماً ودعماً لاتفاقات التجارة الحرة عموماً وتستطيع بأغلبيتها أن تمرر اتفاق «المسار السريع»، إلا أن انتصار الرئيس ومعه الجمهوريون ليس محسوماً، فمن الممكن أن ينشأ ائتلاف غير تقليدي يقف ضد الرئيس وقيادات الحزب الجمهوري، إذا ما قرر تيار حفل الشاي اليميني داخل الحزب الجمهوري وأد اتفاق التجارة الحرة.